أخبار روحية
الأثنين , ١٣ تشرين الثاني ٢٠١٧
المحبّة برهانها الأعمال – الأب جورج مسّوح

لا يمكن أن يمرّ عيد القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم (13 تشرين الثاني) من دون الوقوف عند أحد تعاليمه التي تجد سندها في سيرة يسوع المسيح كما قدّمها الإنجيل. يوحنّا ينتمي، لاهوتيًّا، إلى ما بات يُعرف بالمدرسة الأنطاكيّة التي أولت تأنّس المسيح أهمّيّة قصوى. والتأنّس يعني، هنا، الالتزام المطلق بشؤون الناس من دون تهميش أهمّيّة الإيمان وضرورة ممارسة العبادات اليوميّة. 

 يوحنّا، بطريرك القسطنطينيّة عاصمة الإمبراطوريّة، لم يغرِه منصبه، ولم يستكبر، ولم يبحث عن دور سياسيّ عبر مداهنة الإمبراطور أو زوجته أو كبار القوم، ولم يبحث عن مجد أرضيّ في هذه الدنيا بل طلب رضى الله ورحمته، ولم يحبّ الذهب في الكنيسة فباعه ووزّعه على الفقراء. كان يوحنّا يحبّ الفقراء، لأنّه اعتبر محبّتهم بالأعمال، لا بالأقوال والخطب الخشبيّة، بابًا إلى الخلاص والحياة الأبديّة.

 يضع الذهبيّ الفم (+407) المنهجيّة التي ينبغي اتّباعها حين نتناول موضوع المحبّة وارتباطها بالأعمال. يقول: "لا يريد الله أن يكون المسيحيّ أنانيًّا، لا همّ له سوى نفسه بل يريده قدوةً لغيره بتعليمه وحياته وسلوكه. وليس من مثل صالح أشدّ فاعليّة من حياة نقيّة نعيشها على نهج العدالة، إذ لا يعتبر الناس كلامنا بقَدَر اعتبارهم أعمالنا". الناس لا تصدّق الكلام المعسول الذي لا يعطي ثمرًا بل يختفي في الهواء، بل تصدّق الأعمال الملموسة التي تساعدهم في ما يمرّون به من محن.

 ويضع يوحنّا قاعدة ثانية لهذه المنهجيّة: "ليس من أمر يرضي الله أكثر من أن نقف حياتنا على خدمة القريب فقد منحنا الله الفهم والنُطق، الأيدي والأرجل والقوى الجسديّة. كلّ هذا لكي نستخدمه لفائدة أنفسنا وفائدة القريب. لم يمنحنا الله الكلام لأجل حمده وحسب، بل لأجل فائدة الآخرين وتعليمهم ونصحهم". ويضيف يوحنّا في هذا السياق: "باستطاعتك أن تنال رضى الربّ لعمل واحد. فلستَ أشدّ فقرًا من أرملة الإنجيل (التي رمت فلسين لا تملك سواهما في صندوق التقدمة)، ولا أقلّ ثقافة من بطرس ويوحنّا، اللذين على الرغم من سذاجتهم وجهلهم، قد عملا على إفادة القريب". لا أحد يستطيع اعتبار نفسه مستثنًى من خدمة القريب الفعليّة.

 أمّا القاعدة الثالثة التي اتّبعها يوحنّا فهي مستقاة من كلام الربّ يسوع: "إنّ العطاء أجدر بالغبطة من الأخذ" (أعمال الرسل 20، 35). يقول يوحنّا: "إنّ الذي يجمع الحسنات لصالح اليتامى أو لصالح من يشكون الشيخوخة، أو للمرضى أو لإعالة ربّ الأسرة العديدة الأفراد، لا لوم عليه بل يستحقّ التكريم. هو يحسب أنّ الله قد وضع كنزه في أيدي المحسنين، لكي يُحسنوا بلا إبطاء إلى مَن يسألهم". أمّا ذو المال الذي لا يقدّم شيئًا من ماله للمحتاجين فيقول عنه الذهبيّ الفم: "مثل هذا الرجل لا يجعل إيمانه بالله بل بماله، جعله إلهه وعقد عليه رجاءه". غير أنّ يوحنّا يبقى معتدلاً بشأن الأغنياء، فيقول في عظة أخرى: "أيّها الأحبّاء فلا يكسرنّنا الفقر ولا يبطرنّنا الغنى". ليست المشكلة في الغنى بقدر ما هي في البطر وحبّ الاستحواذ، وإيثار محبّة المال على محبّة الإنسان.

 ما زال كلام القدّيس الذهبيّ الفم راهنًا، فالأزمات التي تحيط بنا، وتزايد عدد الفقراء والجائعين والعاطلين عن العمل، والنازحين بسبب الحروب تتطلّب استجابة سريعة من المؤمنين... ففي ظروف كهذه لا يمكن الكنيسة أن تستقيل من مهمّتها الأساسيّة الكامنة في تنفيذ وصيّة المحبّة تجاه كلّ مَن هو بحاجة إلى الاحتضان والاهتمام. حسنةٌ هي الطقوس، لكنّ الأكثر حسنًا هو الفقير الساكن المسيح فيه، جاعلاً منه هيكلاً حيًّا جديرًا بالحياة والعيش الكريم.

 

"النهار"

 

الأثنين , ١٦ تشرين الأول ٢٠١٧
حان وقت استعادة الوطن - الجنرال خليل الحلو
الثلاثاء , ٢٤ تشرين الأول ٢٠١٧
استعادة الوطن
 
حق النشر 2017 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS