أخبار

أعلام
الأربعاء , ١١ كانون الثاني ٢٠١٧
الــثــائــر

ما ان يتبادر اسمه على مسمعك، حتى يدفعك إلى وقفة رهيبة، تحاول سبر أغواره وفكره وشموليته وشخصيته التي تشكّل ظاهرة في حياة الكنيسة المعاصرة. 

اللقاء به بحدّ ذاته، قوّة جذبٍ نحو المسيح الثائر الذي قال فيه: "الذي لم يذرف نقطة دم سوى دمه".

في الأول من أيلول من العام 2005، أتمّ الأب ميشال الحايك لقاءه الأبدي المرتجى مع ربّه، وودّع جسده الأرض التي تلألأت بلاهوته وفكره وشاعريته وثقافته وحبّه للانسان والوطن.

في العام 1928، أبصر النور في بلدته الجبيلية بجّة من عائلة قروية مؤلفة من أم وأب وأربعة أشقّاء.

هو الثائر منذ نعومة اظافره، فدخل مدرسة القرية وتعلّم مبادىء اللغة العربية لفترة وجيزة، ثم انتقل إلى مدرسة الإخوة المريميين في جبيل، لكنّه لم يصمد هناك أكثر من أسابيع قليلة، فهرب إلى ضيعته عند رؤيته أول سيّارة صاعدة، فوضعه أبوه في دير ميفوق الداخلي مع توصية الرهبان الانتباه إليه من الهرب، فقضى هناك سنة واحدة فقط. وكانت المدرسة اليسوعية هي الأخيرة في تنقّلاته، حيث أكمل المراحل الإبتدائية والمتوسطة والثانوية، ودرس الفلسفة واللاهوت في الجامعة اليسوعية.(1)

في العام 1951، سافر إلى فرنسا لتكملة تحصيله العلمي، فانتسب إلى الجامعة الكاثوليكية وحصل على درجة دكتوراة في الفلسفة واللاهوت على اطروحته "المسيح في القرآن" من الجامعة الكاثوليكية، وحصل على إجازة في الآداب من جامعة باريس الرابعة، ثم حصل أيضاً على دبلوم في العلوم الإجتماعية والإقتصادية من معهد الدراسات العليا.

في العام 1954، سيم كاهنا في باريس، وقد اشتهر الأب الحايك بمواهبه الوعظية فكان الناس يجتمعون من جميع الأقطار لسماع عظته، إن في فرنسا، وأبرزهم جان بول سارتر الذي يعتبر من اهم فلاسفة الالحاد الوجودي، أو في لبنان حيث يؤمّ الكنيسة العديد من المؤمنين لسماعه.(2)

يُعدّ ميشال الحايك لاهوتياً من الدرجة الأولى نتيجة ثقافة لاهوتيّة أكاديمية واختبار لاهوتي روحاني، وقد تجلّى ذلك في كتابه "المسيح في القرآن" الذي يعدّ قمة في العمق المعرفي للاهوت المسيحي والإسلامي، مُسقطاً بذلك دهوراً من الحواجز الرجعية والمتجمّدة والذمّية، معتبراً أن المسيح ليس ملكاً حصريا للمسيحيين فقط، إنه مخلّص الجميع.

في محاضراته وعظاته عن الموارنة والمارونية التي ألقاها بين أواخر السبعينات وأواخر التسعينات في كاتدرائية مار جرجس المارونية في بيروت وفي كاتدرائية مار يوحنا مرقس في جبيل وفي الإذاعة اللبنانية، والتي جمعتها جامعة الروح القدس الكسليك في كتابين "المارونية: ثورة وحرية"، "المارونية: عقدة أم قضية"، يحدّثنا الأب ميشال الحايك عن الموارنة وثورتهم وحلمهم وروحانيتهم وخيباتهم من كل شيء، من العروبة، من بعض الشركاء في الوطن، من الشرق والغرب وحتى من انفسهم.

المارونية في فكر ميشال الحايك هي "عملية معصية مستمرة تجاه العصبيات وهذا ما يجعلها معرضّة لأخطار كل العصبيات واللغات، كما أنها هي تعرِّض هذه العنصريات الى خطر تجاوز الذات الذي تدعو إليه".

في صمودهم يعتبر أن "أعظم من سيرة صمود الموارنة في وجه الإمبراطوريات، كانت سيرة صمودهم في وجه الطبيعة. فهذه الطبيعة لو نطقت لأخبرت بما كان بين هذا الشعب وهذه الأرض من لقاءات. كانت عداوة في البدء ثم تحولت الى علاقة ود، ثم الى سيرة حب عظيم".

في تاريخهم يقول، إن "تاريخ الموارنة مرتبط بهذا الساحل، بهذه المدن، بهذا الجبل، بهذا الأرز. من الساحل كانت لهم تلبية الانصراف الى البعيد، ومن المدن كانت لهم علامة المدنيات الأصيلة، ومن الجبال عناء الطبيعة وشدة معشرها، ومن الأرز مناعة الروح ضد فساد الجذوع".

في روحانيتهم، يدعوهم إلى اكتشاف مستمرّ  لـ"فلسفة العراء" التي استنبطها مار مارون كما يقول كاتب سيرته تيودوريتس القورشي، "سيكتشفون وطنهم الحقيقي الذي هو قبل كل شيء مساحة روحية. قديسوهم وشهداؤهم يدعونهم الى هناك ويذكرونهم بقول الانجيل "الذين يرثون الارض هم المدعوون الى ملكوت الله"، الارض هنا رمز لملكوت الله الذي يشكل الايمان الباب له. عندما يتعرضون للقتل من اجل ارضهم، الموارنة لا يدافعون في النهاية عن ارث مادي بل ما يمثله هذا الارث وما يرمز اليه. من دون الرموزية الارض المادية قشرة زائلة. الموارنة عرفوا دائماً ان لبنان جميل بشكل خاص من جراء حقائقه الروحية وافراغه من هذه القيم ليس الا صخرة ناكرة للجميل.. "المارونية" مشروع حرية يشكل لبنان رمزا له".

في ختام البحث عنه، تجد نفسك مجدّداً، مرّة ومرّات، في حلقة بحثٍ لا تفرغ، ملؤها الشغف والحبّ، في حاضرة الثـائر بالمــســيح ومعه... ميشال الحايك.

 

 

__________________________

 

[1]- د. نتالي الخوري غريب، القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك، دار سائر المشرق، 2013.

2- المرجع نفسه.

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS