أخبار

كتب
الجمعة , ١٨ تشرين الثاني ٢٠١٦
"الشيخ مسعود"... بطريرك المسيحيين والمسلمين

"ما من بطريرك في الكنيسة المارونية يحمل إسم "مسعود". لكنّه ليس بأسطورة، قصّته حقيقة وشخصيته ليست من نسج الخيال. لقد عاش في القرن الرابع عشر وحبريته دامت عشر سنوات كانت كافية لتكون مفصلية في التاريخ الماروني، بعدما طبعته باستشهادٍ أمسى ديناً على الأجيال المتعاقبة"

في كتاب "البطريرك مسعود" للباحث والشاعر والصحافي سليم بدوي، الصادر عن "دار سائر المشرق"، دعوةٌ إلى وقفة مهيبة أمام شخصية كرّست نهجاً في البذل والتواضع والتضحية من أجل حياة شعبه وكنيسته ووطنه.

إنه "سيّدٌ في إيليج"...

لم يخطر ببال الراهب الذي يعشق التنسّك أن يصبح بطريركاً للكنيسة المارونية التي كانت تمرّ بظروف عصيبة ومفصلية، فالمماليك على الأبواب والإستقلال الذاتي "النسبي" بخطر، والإنشقاق الداخلي وانقسام شعب "مارونيا"[1] بسبب الهرطقة كاد أن يتحوّل إلى فتنة بين الموارنة.

يقول الكتاب، إنه بعد عزل البطريرك يوحنا العاقوري، "ذهب الرهبان إلى الوادي المقدّس في قنوّبين واجتمعوا بالنسّاك على مدى أسبوع كامل، أمضوا أيامه داخل الصومعة في التأمّل والصلاة. وفي صباح اليوم السابع، اقترح رئيس وفد الرهبان أن يكتب كلّ واحدٍ من المجتمعين على حدة، وعلى ورقة من أوراق الشجر البرّي، اسم البطريرك المختار بمشيئة الرب ووحي روح القديس مارون. وبعد خلط الأوراق أجريت القرعة وتبيّن أن المختار هو راهب من قرية حجولا يدعى جبرائيل، الذي لم يكن بين الرهبان في صومعة قاديشا وهو ما زاد في قناعة المجتمعين بأن خيارهم جاء من الوحي الإلهي".

حمل حجولا الصليب في قلبه تاركاً مغارته إلى بيته الجديد في دير سيّدة إيليج، المقرّ البطريركي، ليرعى شعبه ويعيد الضالين إلى حظيرة الربّ، وقد نجح البطريرك بسرعة هائلة في إعادة اللحمة والمحبة بين أبنائه، الأمر الذي أذهل الاعداء خصوصا المماليك الذين لم يتوانوا عن خلق الانشقاق والفتن بين الموارنة لضرب رمز وحدتهم المتجسدة بالبطريرك والقضاء على استقلالهم وحرّيتهم التي تميّزوا بها عن سائر المجموعات في الشرق.

في تلك الحقبة، شنّ "الصليبيون" حملة عسكرية على الإسكندرية تحت قيادة ملك قبرص، بهدف الوصول إلى القدس، وأحكم المهاجمون "سيطرتهم على جميع أحياء الإسكندرية واحتفلوا بهذا الانتصار بوحشية، فكثرة الغنائم هزّت عقول المعتدين وحوّلتهم إلى مجرمين مجانين عاجزين عن التمييز بين العسكر المملوكي والمدنيين العزّل، بين المسلمين والمسيحيين واليهود، وأعمال السلب والنهب طالت حتى أرزاق التجار الأوروبيين المقيمين في المدينة"، فاستغل المماليك هذه الواقعة ليحققوا حلمهم بالنيل من خادم الكنيسة المارونية الذي اتُهم بالخيانة والتعامل مع الصليبيين، "فمستشارو السلطان ومعاونوه اغتنموا الفرصة للإدعاء بأنه بين غزاة الإسكندرية شوهد فرسان من الموارنة الذين يسكنون قبرص منذ زمن بعيد. وقد اقتنع السلطان أشرف بوجود خطر التلاحم من جديد بين الموارنة القبارصة وموارنة الجبل"، فصدر الحكم المملوكي بإلقاء القبض على البطريرك حجولا وتنفيذ حكم الإعدام.

هاجم المماليك دير إيليج واعتدوا على رهبانه بالتعذيب والذبح، لكنّهم فوجئوا باختفاء البطريرك جبرائيل الذي لجأ قبل أيام إلى إحدى المغاور القريبة من مسقط رأسه. ومن أجل الضغط على حجولا، "بدأت عساكر المماليك بتنفيذ أمر السلطان، فهاجمت ضيعاً في جبيل والبترون ممعنة فيها قتلاً وتخريباً"

"الدنيا مقلوبة، عسكر المماليك دخل بيوتنا وأحرقها، اعتقل الكهنة والرهبان، هدّ حيطان كنائسنا وانتهى بهم المطاف إلى حجولا"، وقع كلام مقدّم لحفد نقولا كالصاعقة على البطريرك حجولا الذي زاره في مغارته.

"عد إلى الضيعة وحرّر اولادنا وبشّر الجميع بقرب الخلاص"... قال البطريرك

وبدأ "زيّاح الفداء"

سلّم البطريرك نفسه مكبّلا بالجنزير، محاطاً بالعساكر، متنقلا من قرية إلى أخرى لتسلّم الرهبان والأساقفة الموقوفين في حملة الفداء. بكت النسوة، وانعقدت ألسنة الرجال وتصبّرت أجسادهم الذين تحوّلوا إلى قافلة من المؤمنين "يمشون وراء بطريركهم ورفاقه كما لو أنهم في زياح مهيب" إلى أن وصل الموكب إلى قلعة طرابلس.

"يا أبتاه... لك روحي، فليفعلوا بجسدي ما شاءوا"

صرخ البطريرك المسكين و"لسعات السوط تمزّق جسمه. عاش آخر ساعات حياته وكأنها دهرٌ من الإرتياع والأوجاع والدموع. ضاقت به الزنزانة وكاد يصرخ من صميم أحشائه ولكن همس الرهبان الأسرى في سراديب القلعة ذكّره بأنّه حارس سيّدة إيليج الساهرة على شعب مارون، وعليه أن يظلّ القدوة الصافية والصابرة حتى لو كان على عتبات الموت".

نهاية وبداية وعبرة

"أشار القاضي إلى كبير الجلادين أمراً بإشعال النار تحت البرميل"، واستشهد البطريرك جبرائيل حجولا بالحرق حيّاً حتى لفظ أنفاسه الأخيرة:

"ربّي امنحني رحمتك واجعل رقادي الأبدي في جنائن ملكوتك".

ولكي لا يكتشف أحد في يومٍ من الأيام الموقع الذي يرقد فيه سيّد إيليج الشهيد، أوصى النائب الملوكي بأن يكتب على القبر للتمويه اسم "الشيخ مسعود". "لكنّ القبر تحوّل مع الأيام إلى مزارٍ للمؤمنين من المسيحيين والمسلمين وعلى مدى سنوات كانت الأشفية تخرج من المكان الذي احتضن رفاته هبة لمن آمن بقداسته".

"البطريرك مسعود"، قصّة حقيقية لقديس من جبل لبنان، وكما يقول الكاتب "قادته قداسته إلى جلجثة الشهادة ولم يتراجع عنها. ولكن، في حين يتغنى الشعب الفرنسي حتى يومنا هذا بشهادة القديسة جان دارك، قلّ من سمع في لبنان باستشهاد "البطريرك مسعود" بالطريقة والظروف ذاتها، قبل حرق شفيعة فرنسا حيّةً بأربعة وستين عاماً".

ويختم الكاتب "العبرة من قصة القديس جبرائيل حجولا، مع اقتراب الذكرى الستماية والخمسين على استشهاده، فتبقى في تذكّر التضحيات التي قدّمها أجدادنا والتي تفرض علينا واجب تصحيح التاريخ والتعلّم من دروسه، فنحيي التضامن فيما بيننا، ونعزّز وحدتنا، ونقدّس كنيستنا، وننفتح على أهلنا من حولنا في الوطن، لكي لا تتكرّر مآسي الماضي، البعيد والقريب، ولكي نبقى ندقّ أجراس كنائسنا في لبنان وسائر... المشرق".

 

[1]الاسم الذي كان يطلق على مجموع بلدان الموارنة في القرون الوسطى بحسب جبرائيل ابن القلاعي

الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS