أخبار

ثقافة
الجمعة , ٢٠ تشرين الأول ٢٠١٧
طلاب "القلبين الأقدسين" من البوشرية إلى قنّوبين "على خطى القدّيسين" – طوني عطية

هنا الحرّية تكشف حقيقتها المتمرّدة القاسية الصارخة و"المتألهة"، إنها "كتلة وحشية" حيث لا مكان للتسويات والمساومات والاستسلام، بل صمود وصعود وتحديات وشهادة وشهداء... إنها موطن أبناء مارون، أرض قنوبين.

 في كلّ عام، تحمل مديرة مدرسة القلبين الأقدسين- البوشرية الأخت كارولين الراعي طلابها ليعيشوا ويختبروا إيمانهم على خطى القديسين في مسيرة حجّ إلى الأعماق. إنها عودة إلى الجذور، إلى ذاك الوادي المقدّس الذي استوطنه رهبان ونساك وبطاركة صرفوا الأيام في الصلاة والتأمل وزرعوا الأرض طهراً ومحبّة.

أكثر من مئة شخص من طلاب الصفّ الثالث ثانوي مع أساتذتهم ومسؤوليهم هبطوا من دير مار أليشاع "الجديد" في بشرّي، المحطة الأولى، إلى عمق الوادي لتبدأ المسيرة باتجاه دير سيّدة قنوبين الذي وصلنا إليه بعد أكثر من ساعتين سيراً على الأقدام على وقع خرير نهر قاديشا الذي يمرّ بجانبنا حاملاً إلينا ذكريات وحقائق التاريخ عن شعبٍ أبى الإنصياع، عن نساك ورهبان ومؤمنين ساروا عكس التيار، صوب الجبال، إلى بطون الأودية وملاعب الوحوش والنسور، إلى القساوة والمنحدرات، ليعتصموا هناك حيث اللقمة تُنتزع من قلب الصخر لا من السهول والتربة الخصبة. تخلّوا عن كل ما يشدّهم إلى التراب عن كلّ ما يبقيهم على شاطىء الآمان لقاء التخلي عن هويتهم الممسوحة بدم المصلوب، فأبحروا وحوّلوا المستحيلات إلى ممكنات، إلى جنائن معلّقة بين الجبل، حيث الترفّع هو إعلان إيمان، والوادي حيث الصدى هو حكاية حوار مع الله.




في قنوبين، ثورة لا تعرف السكينة، في كل شجرة وزهرة ونبع وشلّال وحبة تراب، في كل مغارة وتجويف وبيت عتيق معلق في منحدر ودير منحوت في صخر يفوق في هيبته ورهبته وإرادته أهرامات مصر، فظروف التشييد وتضاريس المكان أصعب بكثير من ظروف وتكاوين وبيئة الأهرامات.

في قنّوبين، الكنيسة ليست مبنية فوق الصخر، بل أن هذا الصخر الضخم وهذا الجبل الشاهق وهذا اللبنان الكبير مبنيٌ فوق الكنيسة التي هي صخرة لبنان، فكلّما كانت متينة كلّما كان الوطن مرتفعاً.

في كل شيء هناك، إله حيّ يكلّمك، يضرم النار في قلبك ووجدانك، لتبدأ المرحلة الثانية مع وصولنا إلى دير سيدة قنوبين، الذي ظل كرسياً بطريركياً من سنة 1440 الى سنة 1823 وأقام فيه 24 بطريركاً نذكر منهم: البطريرك يوحنا الجاجي الذي نقل الكرسي البطريركي من ميفوق إلى قنوبين، البطريرك الرزي، هو أول من وضع شعار الأرزة على التاج البطريركي، العلاّمة البطريرك اسطفان الدويهي الذي ذاع صيته في إيطاليا وأوروبا، والبطريرك يوسف التيّان الذي امتدت ولايته بين سنتي 1796 ـ 1808. حين تنازل عن السدة البطريركية ، وأمضى بقية حياته ناسكاً مصليا في دير سيدة قنوبين والمحابس التي تحيطه، الى حين وفاته سنة 1820 ، ودفن في دير سيدة قنوبين، ولا يزال جثمانه سليماً بدون تفكك أو تحنيط. وفي هذا الدير، قُرع لأوّل مرة في الشرق جرس نحاسي.

بعد ليلة من الصلاوات والترانيم والتأملات ورتبة الغفران والتوبة في الدير مع الكهنة الأب بسام كيوان والأب نعمة صليبا والأب ميشال شبلي القادم من ولاية ميتشيغن في الولايات المتحدة الأميركية ليشارك الطلاب حجّهم إلى قنوبين، حيث تقول الاسطورة الشعبية إن مياه قاديشا تكوّنت من دماء الشهداء ودموع التائبين وإن العذراء تأتي كل يوم لتشرب من تلك المياه، في إشارة رمزية إلى أهمية الشهادة والتوبة والغفران في حياة الكنيسة. فوقف الطلاب ينتظرون دورهم في كرسي الاعتراف ليجددوا إيمانهم عبر توبتهم، لكي ينطلقوا من جديد في دروب حياتهم المتنوعة، المدرسية والعائلية والمجتمعية والوطنية، ويتهيؤون إلى المرحلة الثالثة من "على خطى القديسين".

 

"حوقا"

عند الساعة الرابعة فجراً، وقبل أن ينشر النهار نوره على الوادي، انطلقت المسيرة في مغامرة لا تشبه غيرها صوب دير "حوقا"حيث يستحبس الناسك الكولومبي داريو إسكوبار من الرهبنة اللبنانية المارونيّة.

على ضوء القمر الخافت مشى الطلاب في القطار الأحادي، الواحد تلو الآخر، تتقدّمه الأخت كارولين، لأن عرض الطريق لا يتسع لإثنين، لكي نفهم ونختبر معنى الجماعة وأهمّيتها، ينبهون بعضهم بعضاً من حجر أو صخرة أو عثرة وسط الطريق أو حفرة إلى جانبه، فتماسك الجماعة ومحبة أفرادها بعضهم لبعض يضيء قلوب المؤمنين ويفتح أعينهم ليدركوا طريق الخلاص مهما اشتّد ظلام العالم وديجوره. كأن الإيمان هو مسيرة تراكم خبرات ونقلها من جيل إلى جيل على طريق الجلجلة.

وكلما اقتربنا من مغارة حوقا كلما تعجرفت الطريق بقساوتها وارتفاعها وعمق منحدراتها، فأي خطأ أو سهوٍ يكون السقوط، إنها ضريبة الحرية.

وفي طريق متأهّب كـ"السُلّم" وصلنا إلى "صخرة الغدر" التي تؤدي إلى مغارة حوقا والتي أُطلق عليها هذه التسمية تذكيراً بالخيانة التي تعرّض لها البطريرك والرهبان والفلاحين الذين كانوا برفقته على يد "ابن الصبحا" الذي دلّ المماليك إلى مكان تواجدهم فوقعت مجزرة  بحقّهم في مغارة حوقا التي لقّبها أحد علماء الآثار بـ"جوهرة الوادي" والموقع عبارة عن مغارة ذات تجويفٍ ضخم، بُنِيَ فيها دير يعود تاريخه إلى 1283 وقد بناه ابن الصَّبحا، تكفيراً عن ذنوبه. وفي هذا الدير عاش لبعض الوقت الأب روجيه، وهو طبيب الأمير فخر الدين المعنيّ الثاني الكبير.

عند صخرة الغدر جلسنا صامتين ننتظر بزوغ الفجر واضعين الانسان العتيق الخاطىء الضعيف خلفنا لكي نستحقّ الوصول الى "حوقا" إلى تلك المغارة التي سفكت فيها دماء الأحرار، كأنها تذكرنا ببيت لحم. في تلك المغارة يختصر تاريخ البشرية: الصليب والسيف، المصلوب والجنود ، بطرس ويهوذا، الناكر التائب والخائن المستسلم ، الحريّة والذمّية... أمام تلك المغارة المعلّقة فوق جلجلة الأيام، يُؤخذ القرار: مع المصلوب والصليب والحرية والتوبة أو مع السيف والجنود والخائن والذمّية؟ أتعود هارباً إلى الشاطىء أم تُبحر إلى الأعماق؟

إنها حقّاً وقفة أمام الذات، نسأل أنفسنا: أحقاً نحن ننتمي إلى هذه الكنيسة المقدسة الحرّة الشاهدة التي من كنفها خرجت أولى حركات الإستقلال والتحرّر في الشرق؟ أحقاً نحن اليوم أحفاد وورثة تلك الجماعة التي لم تمتلك سوى المشقات والعذابات والقهر والاضطهادات وبالرغم من كل ذلك بقيت صامدة شامخة متألقة بإيمان ربّها واعطت لبنان والعالم أعظم القديسين والرهبان والمفكرين والمثقفين والمناضلين، فيما نحن اليوم خمولين لامبالين تهزّنا ذوابع الفنجان لأننا انقطعنا عن هويتنا وقيمنا وجذورنا وصخرة خلاصنا.

إنها دعوة لكل المدارس المسيحية عموماً والمارونية خصوصاً، لتتمثّل بمدرسة القلبين الاقدسين- البوشرية التي تهتمّ ببناء الانسان الروحي المؤمن الملتزم بوطنه وهويته ورسالته، كي يشهد لنور الحقيقة ويكمل مسيرة الأجداد، ويزور أرض القديسين ويسير على خطاهم في وادي قنّوبين.

 

 

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الأثنين , ١٦ تشرين الأول ٢٠١٧
حان وقت استعادة الوطن - الجنرال خليل الحلو
الثلاثاء , ٢٤ تشرين الأول ٢٠١٧
استعادة الوطن
 
حق النشر 2017 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS