أخبار

ثقافة
الخميس , ٢٢ شباط ٢٠١٨
«يونيسكو» تعجز عن لجم «كارثة» موت اللغات المحلية

عبده وازن – الحياة

دأبت «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» (يونيسكو) منذ عام 2008 على إحياء «يوم اللغة الأم» في الحادي والعشرين من شباط كل سنة، جاعلة منه مناسبة عالمية لعقد مؤتمرات وندوات طوال أشهر، تتناول ظاهرة انقراض اللغات المحلية، والتي باتت تصفها بـ «الكارثة». وكانت المنظمة فتحت عام 1999 ملف اللغات المهددة بالانقراض، مستعينة ببحّاثة في حقول اللغة والأنثروبولوجيا والجيو-سياسة، من أجل تحديد طبيعة هذه الظاهرة المقلقة والبحث في حلول ناجعة للكف من استشرائها.

وفي أحدث بيانات المنظمة أن خمسين في المئة من اللغات المحلية، أي ثلاثة آلاف من أصل ستة آلاف لغة، تعاني خطر الاندثار، وأن لغة كل أسبوعين تنقرض، ما يعني أيضاً انقراض خمس وعشرين لغة سنوياً، وهذا رقم يفوق التصور. وما لم يتم التحرك عالمياً بجدية في هذا الصدد، كما أعلنت «يونيسكو»، فالحال ستتفاقم وتؤول إلى اختفاء تسعين في المئة من اللغات المهددة.

إلا أن النتائج التي يفترض أن تظهر، ليست مشجعة بتاتاً، بل هي دون الطموح العام، رغم تبني دول عدة مهمة إحياء لغاتها المحلية والشعبية أو العامية، سواء عبر المؤتمرات والندوات أم عبر البرامج المدرسية والحملات الإعلامية. والمستغرب أن هذا الخطر لا يشمل فقط لغات دول الأطراف في أفريقيا أو آسيا مثلاً، بل بات يهدد أيضاً دولاً مركزية مثل بعض الدول الأوروبية، خصوصا أوروبا الشمالية، مثل النروج والسويد والدنمارك. فاللغات الشمالية هذه تواجه تحديات حقيقية، ويتراجع عدد الناطقين بها، خصوصا أمام زحف الإنغلو- أميركية. بل إن الخطر يهدد لغات محلية عدة في فرنسا، مثل اللغة البروتونية الشهيرة وسواها، ما يُحدث إرباكاً في الثقافة الفرنسية. وهكذا الأمر في بلجيكا وإسبانيا وسواهما. وعمدت المنظمة إلى إنشاء «أطلس» للغات المهددة عالمياً، وهو بمثابة «بارومتر» يرصد أحوال هذه اللغات، وتجسد أرقامه واقعها والتحوّلات التي تشهدها.

ولئن كانت ظاهرة اندثار اللغات مألوفة عبر تاريخ الشعوب والحضارات القديمة المتوالية، إذ «ماتت» لغات عدة لم يبق منها سوى اسمها، فما يلفت الآن في عصرنا الراهن هو الإيقاع السريع لانقراض اللغات ودخولها خانة «اللغات الميتة». والأسباب، وفق المراقبين، كثيرة منها ما يرتبط بالديموغرافيا البشرية والطبيعية، وما يرتبط بالثورة الرقمية التي جعلت لغات تتقدم على أخرى، بل «تفترسها»، كما يعبر أحد الباحثين. ومن هذه الأسباب جميعاً: الحروب، والهجرات القسرية، والكوارث الطبيعية الرهيبة التي تقتلع مناطق وقبائل وأقليات من جذورها... ولعل العولمة التي اتسمت بالطابع الأميركي و»الاستعمار الجديد» وحضارة السوق «المنتصرة» والاقتصاد الاستهلاكي، من الأسباب المهمة التي ساهمت كثيراً في انقراض اللغات الشعبية والمحلية، وفي عزلها خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت والفضائيات التي لا تستخدم إلا الإنكليزية «المؤمركة». بل إن لغة العولمة هذه غزت كل لغات الأرض وباتت تنافسها في عقر دارها، ولم توفر دولاً كبيرة، مثل الهند والصين والقارة الأميركية اللاتينية. واضطرت الدولة الفرنسية قبل فترة إلى إحياء حملة عنوانها «تنقية لغتنا من الأميركية». والمفاجئ فعلاً هو القدرة الهائلة التي تملكها وسائل التواصل الحديث على اختلافها في تمهيد السبل للغزو اللغوي الأميركي، فالبلدان التي استطاعت أن تحمي لغاتها المحلية أبان الاستعمار والمد الكولونيالي، لم تتمكن من مقاومة العولمة اللغوية.

استهلت مرة إحدى المجلات الأميركية تحقيقاً حول موت اللغات المحلية بخبر يفيد أن سيدة عجوزاً في الرابعة والتسعين توفيت في مدينة بالا- كاليفورنيا، وبوفاتها توفيت لغة محلية في الشمال الأميركي هي «كوبينو»، إذ كانت آخر شخص يتحدث بها. انتهت «كوبينو» وقبلها انتهت لغات عدة مع موت الجيل المعمّر: «ماتيبو»، «أمابا»، «سيكيانا»... وإن حدث هذا في الولايات المتحدة، فماذا عن الهند وأفريقيا والقارة الأميركية اللاتينية؟

لم تشأ «يونيسكو» الاحتفال بـ «يوم اللغة الأم» أو اللغات المحلية المهددة بالانقراض إلا لاعتقادها بأن هذه اللغات ليست مجرد لغات تتحدث بها قبائل أو أقليات أو جماعات، بل هي تمثل إرثاً حضارياً وإنسانياً. ولهذا ضمّت المنظمة هذه اللغات إلى لوائح التراث الإنساني، مثلها مثل الآثار والفنون والمحميات الطبيعية.

 

الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2018 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS