أخبار

تاريخ
الأربعاء , ١٩ نيسان ٢٠١٧
دولة الرئيس أنطون الجميّل – جورج ضرغام (مجلة روز اليوسف)

عندما عرضت عليه القيادات المارونية السياسية والدينية في لبنان، طرح اسمه كرئيس للجمهورية اللبنانية كبديل لبشارة الخوري، رفض أنطون باشا الجميّل رئاسة جمهورية الآرز، وفضّل مهنته الصحفية، حيث كان أشهر رئيس تحرير فى العالم العربي وقتها.
فحينما وقع خلاف بين البطريرك المارونى أنطون عريضة، ورئيس الجمهورية اللبنانية بشارة الخوري، نتيجة تدخل الأخير فى السياسة الكنسية، حيث كان يشكو البطريركية أمام الفاتيكان، كان المطران في كرسي القاهرة بطرس ديب قد أبلغ البطريرك الماروني، أن الأجدر فى الموارنة لرئاسة لبنان هو أنطون الجميل، حيث كان الرجلان (أنطون الجميّل، والبطريرك عريضة) على مسافة سياسية واحدة، فذهب المطران بطرس ديب إلى أنطون الجميل ليبلغه باقتراح القيادات الدينية، فرفض الجميل.

وروى حافظ محمود، أن أنطون فى العام 1945: «جاءه من يقترح عليه أن يصفي أعماله فى القاهرة، ويقصد إلى بيروت، على أن يرشحوه هناك لمنصب رئيس الوزراء»، فرفض الجميل وفضّل مكانته الصحفية. والرواية مغلوطة وبلا تفاصيل - كما ذكرنا - عن ترشيحه للرئاسة كبديل لبشارة الخوري، لأن رئاسة وزراء لبنان كانت من نصيب المسلمين السنة، طبقًا للميثاق الوطني الشفهي 1943 والذى قامت على إثره المحاصصة الطائفية فى السلطة اللبنانية، فكيف إذن أن يرشح لها ماروني اسمه أنطون الجميل؟!.. وأخطأ شيخ الصحفيين فى التاريخ، ولم يذكر من الذي اقترح على أنطون الجميل. وكلّ من كتبوا عن الجميل نقلوا عن حافظ محمود روايته هذه من كتابه «عمالقة الصحافة» بلا تروي.
آل الجميّل فى المحروسة
وتاريخ آل الجميل في مصر بالغ القدم، فقد عمل منهم مترجمون أيام حملة بونابرت على المحروسة (1798-1801) إلا أن أشهر اسم برز فيهم بعدها كان جرجس الجميّل، والذي قتل إبان الثورة العربية 1882 في الإسكندرية حيث عمل لسنوات مترجمًا للقنصلية الفرنسية فيها، وكانت المنصورة وقتها تجمع آل الجميّل الأولين أمثال: غنطوس الجميّل، وكنج الجميّل، ثم إلياس الجميّل، وهو والد جنفياف (زوجة الشيخ بيير فيما بعد) والتي ولدت بالمنصورة أيضًا، وهي أول امرأة مصرية وأصغرهن (16 عامًا) تستخرج رخصة قيادة سيارة، وأول مصرية وعربية تقود طائرة، وقد كرّمها الملك فؤاد. إضافة إلى أنها مصممة العلم اللبناني (على ستارة منزلية).
وأخوها موريس الجميل الذي صار فيما بعد وزيرًا للمالية ثم التخطيط فى الحكومة اللبنانية.
وبعدهم وفد للمحروسة كلّ من يوسف بشير الجميّل وأخوه أمين بشير الجميل، هاربين من حكم إعدام أصدرته بحقهما السلطات العثمانية، حيث كان الأخوان ذوي نزعة استقلالية وميل إلى الفرنسيين أعداء السلطان العثماني، وهناك ولد لأمين ابنه الأشهر بيار في المنصورة عام 1905 ليكون فيما بعد الشيخ بيير الجميّل، أول مؤسس لحزب مسيحي عربي هو «حزب الكتائب» والذي سانده الرئيس المصري أنور السادات طيلة حياته في الأزمة اللبنانية نظرًا لميلاده المصري وأصول العائلة المصرية، وهو والد أول رئيسين من أصول مصرية يحكمان لبنان (1982-1988) هما ابناه بشير وأمين الجميل.
ثم لحقهما شاب طامح من أبناء عمومتهما هو أنطون الجميّل الذى جاء ليحرر «مجلة الزهور»، والتي اتّخذ اسمها فيما بعد ابن عمه موريس الجميل ليطلقها اسمًا لعيد فى لبنان وهو «عيد الزهور» 1933.

المسيحى الماروني مؤسس «الأهرام» الحقيقي

ولد أنطون الجميّل عام 1887 في بكفيا قضاء المتن، بجبل لبنان، قدم إلى مصر قاصدًا الصحافة والشعر فأسّس مجلة «الزهور» الأدبية الفنية عام 1910 وبعد توقفها مارس الصحافة في مجلة الهلال، ويروي أنطون أنه في يوم كان يقرأ ديوان خليل مطران فكتب بعض المسودات عنه ثم نقحها، وذهب بها إلى جورجي زيدان فى مكتبة الهلال بالفجالة وعرضها عليه، فوعده زيدان بنشرها الشهر المقبل، بعدها علا صيت الجميّل، فبدأ يكتب فى المقتطف والمصور، بجانب عمله في وزارة المالية، إلى أن دعاه جبرائيل تقلا للعمل فى «الأهرام»، حيث تولى رئاسة تحريرها بعد وفاة داود بركات فى الفترة من (1933-1948). أخلص الجميّل لمهنته الصحفية، والتي أخذت كلّ وقته، فكان يبيت فى الأهرام، ولم يتزوج لضيق الوقت. وارتفعت مبيعات الصحيفة الأشهر فى العالم العربي من خمسين ألف نسخة وهو أعلى رقم سجلته مبيعات الصحيفة فى عهد أسلافه، الى مئة ألف نسخة عندما تولى الجميّل رئاسة تحريرها.

وخلال فترة رئاسته للأهرام رعى الجميّل كثيرًا من الأدباء والمفكرين أمثال المازني ومى زيادة التى كان يصرف لها من الأهرام مكافأة نظير مقالات غير دورية ترسلها زيادة فى الوقت الذى تشاؤه، كي تستمر فى إصدار صحيفة «المحروسة» التى شارك ابيها فى تأسيسها، وصالونها الأدبي الشهير، ومنحها أيضا شقة من ممتلكات «الأهرام» فى شارع علوي تسكنها بلا أجر، إضافة إلى أن الجميّل قد قدم الكثيرين من أعلام الصحافة أبرزهم كامل الشناوي، والتوأم علي ومصطفى أمين. ومن الحكايات الطريفة أن علي أمين ذهب إليه عام 1938 بعدما عرف أن الشعر مفتاحه فحفظ شيئًا من شعره وأخذ يردده أمامه فقبله الجميّل رئيسًا لقسم الأخبار، بل وسأله عن توأمه مصطفي، متى يعود وينهي دراسته فمكانه «محجوز». وعلى أثر الحكاية هذه ذهب موسى صبري بدوره إلى أنطون وقرأ له قصة فرفضه الجميّل متعلّلًا بضيق الحالة المادية فى الصحيفة.
ويروي كامل الشناوي أنه جاء لرئيس تحريره أنطون باشا بخبر عن مرض عبد العزيز فهمي باشا، وزير الحقانية (العدل) الأسبق، فسأله الجميل: هل استأذنته فى النشر؟... فأجاب الشناوي: لا... فردّ الجميّل: هذه أخبار شخصية ولا يجوز نشرها الا باستئذان أصحابها.
وأنطون الجميل أو المسيح الماروني، أكثر ما اشتهر به أعماله الخيرية ودماثة خلقه، ومساعدته للفقراء، فكان يهب 90% من راتبه الشهري الكبير، والذي كان يصل مع مكافآته إلى 8 آلاف جنيه فى الأربعينيات (أى ما يعادل اليوم 2 مليون جنيه تقريبًا أو كثر، مع حساب القيمة الشرائية فى الزمنين) إلى الجمعيات الخيرية كما يروي معاصروه، والذين شهدوا بأنه لم يكن يمتلك حسابًا مصرفيًا طيلة حياته. إضافة إلى أنه أول من أقام مأدبة إفطار الوحدة الوطنية فى مصر (كما ذكرنا فى موضع سابق).
كان الجميّل مارونيًا متدينًا ومحافظًا، ترأس «جمعية المساعي الخيرية المارونية»، وخصص لها نسبة من راتبه. وكانت له فيها مواعظ دينية، فكان ينتدب كلّ عام 4 مرات لإلقاء موعظته الدينية فى عيد الميلاد، والفصح، وعيد مار مارون، ومار شربل.
وكان الرجل معتدًا بأصوله وجذوره، وقف يومًا فى «جمعية المساعي» يوم 12 فبراير 1922 يخطب في الموارنة المجتمعين:
«...ومن يريد أن يرى بأمّ العين ما تصوّره له المخيلة عن النصرانية فى إبان نشأتها، وأن يعرف حرارة العقيدة، وطهارة الآداب، وروح التجرد بلا مغالاة، والسلطة بلا استبداد، والفقر بلا تذلل، والكرامة بلا صلف. ينبغىيله أن يزور «بلاد الموارنة»، فالرجل منهم وسيم المحيّا، شريف الطلة... نحن نتغنى بالوطنية في الأندية، ونترنم بأناشيدها فى الشوارع».
انتخب الجميل عدة مرات فى مجلس النواب المصري، وتولى رئاسة لجنة الشئون القانونية والموازنة فيه. وحصل على اللقبين الأشهرين: البك والباشا، ومنح الجنسية المصرية بموجب 3 قرارات كان آخرها عام 1929 وترشح لانتخابات نقابة الصحفيين فلم ينجح لأنه عرض أن يكون الصحفي مؤهلًا تعليميًا ومهنيًا. وفي أول تعليق له على سقوطه قال: «العضوية فى هذا المجلس ليست لي بل لأبنائي فى المهنة».
كان الرجل صاحب شخصية كاريزماتية عالية، جاءه رئيس الوزراء علي ماهر ليعتذر له فى مكتبه بـ«الأهرام»، وبعد هذه الواقعة كانت عينه لا تكف عن النظر إلى كرسي رئاسة وزراء مصر، خاصة وأن المسيحي بطرس نيروز غالي، قد اعتلاها قبله بسنوات (1908-1910) فكان يأتى بالموارنة من لبنان إلى مصر لتعزيز نفوذه السياسي ويمنحهم الجنسية المصرية، فالملاحظ أن أكثر العائلات المارونية فى مصر عددًا هى عائلة الجميّل، إضافة إلى أن بقية الموارنة يحفظون شيئًا لأنطون، وأن أكثر المهاجرين الموارنة قد زادوا فى عهده. وقد حدث العكس من قبل ابن عمه الشيخ بيار الجميل، إبان الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) فكان بيار يأتي بالأقباط من مصر، ويدخلهم فى حزب الكتائب ليزيد من أعداد مريديه.
واسم أنطون الجميل لايزال مدويًا إلى الآن كأشهر شخصية مارونية مصرية وعربية، عاش أنطون طامحًا وقدم لمصر حاملًا طموحه على كفه، وعلى ظهر سفينة حملت حقائب تحوى مسودات «مجلة الزهور» أول مشروعاته الصحفية والأدبية. عاش محبًّا للفكاهة والضحك مخفيًا خلف ابتسامته تجاعيد فقدان الثقة فى المرأة لما خلفته سيرة مي زيادة، وإليسا داغر (عشيقة العقّاد أو كما أسماها سارة فى روايته) التي كانت على كلّ الألسنة!! ومات على فكاهة... «حادثة البيض»، فالرجل النحيل الزاهد، فجأة طلب من عامل البوفيه فى «الأهرام» طبقًا كبيرًا من البيض المقلي، تناوله بشراهة غير معهودة فأصيب بأوجاع وضيق في التنفس... ومات شهيد البيض!

وعندما خرجت جنازته من الكاتدرائية المارونية بحي الظاهر كان مشهدًا يستحق التسجيل فى صفحات التاريخ المشرقة، فقد شيعه أصدقاؤه وتلامذته فى جنازة مهيبة، وكأن أنطون حي يوصيهم بلسان الشاعر العربي: «أقول لأصحابي إرفعونى فإننى يقر بعيني أن سهيلًا بدا ليا»، فدخل المسلمون إلى الكاتدرائية حاملين نعشه، ووقف الأطفال الأيتام يلقون نظرة الوداع عليه، إذ جمعهم العم إبراهيم، أحد المشرفين على دار أيتام كان يرعاها انطون، فى سيارة، واصطحبهم ليحضروا الجنازة. سأله اندراوس ضرغام: «لماذا فعلت هذا؟»... فأجاب: «كي يرى الأيتام بأمّ أعينهم الرجل الذى رعاهم بأمواله ميتًا، فإذا تشردوا وتحولوا إلى أطفال شوارع من بعده فلا يلوموني».


نكسة الموارنة بعد موت الجميّل
فى صبيحة 13 يناير من العام 1948 انتكس الموارنة، واستيقظوا على كبرى الفواجع: مات المسيح الماروني أنطون باشا... كان الماروني المصري شديد التعلق بمارونيته، فكان ينادى باسمه مقترنًا بـ«الماروني».
ورغم هذا الحرص والاعتزاز بالعرق الماروني، إلا أن الفقر والهجرة كانا لهما دور بارز، فكثير من المهاجرين اللبنانيين (غير الشرعيين) الذين استقدمهم أنطون الجميل إلى مصر لتعزيز نفوذه بأناس من بني عرقه (الماروني) قد وجدوا أنفسهم فجأة فى العراء بلا أى ورقة رسمية: لا جنسية لبنانية ولا مصرية، ولا هم مقيدون فى سجلات الكنائس المارونية، لأن من استقدمهم ووعدهم بالجنسية قد توفى فجأة عام 1948 فاستقبلهم رجال من عائلة «خياط» والتى كانت تسكن أسيوط وهم من أصول شامية، وتم إدراجهم فى سجلات الكنائس الأرثوذكسية واستخراج شهادات ميلاد مصرية لهم بتواريخ قديمة، وكان رجال الدين الأرثوذكس يأخذون من الموارنة الوافدين (غير الشرعيين) مقابلًا ماديًا للإدراج فى السجلات، إذ كانت الكنيسة في أيام البابا القبطي يوساب الثانى مليئة بسطوة رجاله الذين استغلوا الدين فى «البيزنس».

والحاجة إلى المال دفعت فقراء الموارنة المصريين المقيدين بالسجلات الرسمية أن يبيعوا أوراقهم وأوراق آبائهم المتوفين لليهود، ويغيروا هم المذهب للأرثوذكسية، فبعدما تعرض اليهود للتضييق ثم الترحيل فى الفترة (1948-1961) أيام عبد الناصر كان اليهودي يشتري وثائق تضمن له الاستمرار فى مصر دون تهجير، إضافة إلى أن بعض السجلات المارونية الخاصة بالوفاة قد فقدت، والحقيقة أنها سرقت. وكان اليهودي يفاضل بين من يأخذ أوراقه الماروني أم القبطى حسب السعر الأقل الذى يرضي اليهودي لشراء وثائق، فيبيع الماروني مقابل حفنة من المال، ولأن أغلب الأقباط لم يكن لهم وثائق كميلاد أو وفاة تمّ بيع العدد الأكبر من وثائق الموارنة الشخصية لليهود.
ويلاحظ أن أكثرية أقباط الصعيد خاصة فى محافظة أسيوط لم يكن لهم وثائق فى الدولة خاصة شهادات الميلاد، إذن فهم ساقطو قيد فى سجلات الدولة، وفجأة تجد أعدادهم المقيدة فى سجلات الدولة قد تضاعفت!! وذلك كنتيجة مباشرة للموارنة الذين أدرجوا فى السجلات القبطية. أما فيما يخص الوثائق المارونية، فعلى سبيل المثال سجلات البطرخانة المارونية فى القاهرة أغلبها مفقود إضافة إلى أنه فى سجلات الوفيات بين العامين (1914-1953) تبلغ أعداد الموارنة المسجلين فيها كمتوفين 2524 حالة وفاة، وهو رقم كبير جدًا إذا ما قورن بأعداد الموارنة الموجودين فى القاهرة وحدها، والذين لم يتجاوزوا بأعلى تقدير 7 آلاف. أما أموال أثرياء المارونية والتبرعات فكانت كثيرة إلا أنها كانت توجه للدولة على شكل تبرعات أو إنشاءات كنوع من مظاهر الوجاهة الاجتماعية ولا توجه للفقير الماروني.
إضافة إلى أن كثيرًا من الموارنة تدخلوا بصفة غير رسمية في الاطلاع والتلاعب بالوثائق الموجودة في مؤسسات الدولة المصرية بلا معرفة الدولة، فنجد أن رجلًا مارونيًا من جمعية القديس منصور المارونية، واسمه توفيق لبس استطاع أن يحصي أعداد الموارنة المقيدين فى دائرة الإحصاء الرسمية فى الدولة بمعاونة رجلي دين مارونيين هما: الخوري يوحنا الحاج، والخوري يوسف البجاني.

الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS