أخبار

مقالات
الخميس , ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧
ألقاب الزعماء

كانت منطقتنا، وما زالت، مغرمة بالشخصيات التاريخية من العرب ومن غيرهم، حتى غدت كتابة التاريخ مرتهنة بالحاكم الشخص في كثير من الأحوال، وهو ما نراه في أعمال مؤرخين كبار أمثال عبد الرحمن الرافعي؛ الذي تناول تاريخ مصر الحديث مقسماً إياه إلى حقب زمنية تحمل اسم الحاكم، مثل: «عصر إسماعيل» و«عصر محمد علي».. وهكذا. وتطور الأمر في السنوات الأخيرة ليطول زعماء سياسيين من خارج المنطقة، حتى رأينا غرام الإيرانيين بالرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي أبرم الاتفاق النووي مع بلادهم، فوصل الأمر تحبباً أن قيل إن اسمه من ثلاث مقاطع: «أو (هو)» و«با (مع)» و«ما (نحن)»، فيصير الاسم بالنهاية: «هو معنا» بالفارسية، وفقاً لتلك الرؤية. كما أصبح اسم أوباما يذكر مسبوقاً باسم والده حسين للإشارة إلى موقع مذهبي ما للرئيس الأميركي السابق الذي يتحدر والده من كينيا. وامتد الغرام بعدها إلى روسيا التي تدخلت قواتها في خريف عام 2015 في الحرب السورية، لتنقذ النظام من ورطة كادت أن تطيح به على الرغم من دعم إيران له عسكرياً. ودأب إعلام «محور الممانعة»، الموالي لإيران، على إطلاق وصف «أبو علي» على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليصير «أبو علي بوتين» تحبباً ومقدماً تفسيراً سطحياً لجمهور المحور على انحياز موسكو إلى جانب النظام السوري إلى درجة التدخل العسكري بسبب انحيازات مذهبية ما في المنطقة. وطوال الفترة المباشرة التي أعقبت التدخل الروسي انتشر لقب «أبو علي بوتين» على ألسنة حتى محللين ومتابعين للشؤون السياسية، حتى بانت التناقضات في المصالح بين روسيا وإيران في العموم وفي سوريا على وجه الخصوص. من وقتها خفت الاسم وقل انتشاره، وإن ظل في التداول السياسي العام من مؤيدي «محور الممانعة»، على الرغم من العلاقات المتميزة التي تربط موسكو وتل أبيب، والتي تظهر أكثر فأكثر في صورة التنسيق المشترك بين الطرفين حول الأزمة السورية وسيناريوهات حلها.

ومنذ انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية فقد مثّل النقيض من شخصية أوباما في سياساته حيال المنطقة، إذ جعل تعديل أو إلغاء الاتفاق النووي بين إيران والغرب هدفاً دبلوماسياً وإعلامياً رئيسياً له، مما جعل جيران إيران المرتابين من نفوذها المتزايد يستبشرون به خيراً. ثم جاءت سياسات ترامب الأكثر تشدداً ضد النظام السوري و«حزب الله» اللبناني مقارنة بسلفه أوباما، لتصعد بآمال خصوم إيران في المنطقة إلى القمة. ولأن أحداً لم يلقب الرئيس ترامب بلقب حتى الآن، فقد يظهر قريباً لقب متساوق مع العادة الشرق أوسطية عموماً والعربية خصوصاً في تعيين ألقاب للزعامات المؤثرة في شؤون المنطقة.

لا يعني ذلك أن المقال يتبنى تسميات للزعماء الأجانب للدلالة على انحياز ما لطرف في المنطقة ضد آخر، فالزعماء الأجانب، وبخاصة رؤساء الدول الكبرى، يتبنون مصالح دولهم ولا تعنيهم مصالح أطراف بعينها في المنطقة إلا إذا كانت متوافقة ومتقاطعة مع مصالح بلدانهم. فالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لم يوقع الاتفاق النووي كرمى لعيون إيران، وإنما وفقاً لرؤية أميركية حازت قبول مراكز أبحاث ومؤسسات صنع قرار بعينها في أميركا. والرئيس فلاديمير بوتين لم يتدخل في سوريا من أجل خاطر النظام السوري، وإنما وفقاً لمصالحه وطموحاته بالحصول على موطئ قدم في المشرق العربي بعد غياب عقود. والرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب يتقرب حالياً إلى دول الخليج العربية في مواجهته لإيران وتحالفاتها الإقليمية وعينه على مصالح بلاده المشتركة مع الدول العربية، بالطريقة التي يفضلها.

في كل الأحوال، طالما ظل التحليل السياسي في المنطقة مرتهناً بالمصالح الآنية وبالنكاية في الخصوم واستدعاء خلفيات مذهبية لإطلاقها بسذاجة على الزعماء العالميين الذين تنخرط بلادهم في شؤون المنطقة، سيظل الجانب الفكاهي طافياً على السطح.

 

د. مصطفى اللبّاد

كاتب ومحلّل سياسي مصري

جريدة "القبس" الكويتية

 

الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS