أخبار

مقالات
السبت , ٠٩ تشرين الثاني ٢٠١٩
إنتفاضة أم ثورة

ثلاثة أسابيع انقضت على المشهد الرائع للوعي الجماعي اللبناني. مئات الألوف نزلوا الى الشارع في أصدق تعبير حضاري عن تضامن وطني لم يشهده لبنان في تاريخه. هذه المرة، الأبناء صوّبوا تحرك آبائهم وليس العكس. كيف لا وهم لم يرثوا منهم سوى التعصّب والتبعيّة والبطالة والأمراض والنفايات واليأس. فجاءت انتفاضتهم حرّة نقيّة نابعة من هواجسهم وقلقهم، ولن يسمحوا لأحد تحت أي ذريعة بأن يرسم لهم المستقبل الذي يريدون.

تجاه تعنّت السلطة والأجواء عن أنصاف الحلول، ماذا سيكون موقف الحراك الشعبي من حكومة عتيدة فيها القديم والجديد؟ أوجه مقتها الناس على نفس الطاولة مع قيادات شابة واعدة ومحايدة؟ أو بتعبير آخر، كيف سيحافظ الحراك على الزخم الشعبي الغير مسبوق تجاه حلول ممكن أن ترضي، ولو على مضض، جزءاً من المجتمع؟ ما العمل كي لا يتحجّم الحراك ويقتصر فقط على الطلاب والعاطلين عن العمل؟

إن خيم الحوار في ساحات الإعتصام والآراء والمواضيع التي تطرح فيها، تعطي صورة ناصعة عن مجتمع حيّ وعن دينامية تبعث الأمل في النفوس. ولكنها بالوقت نفسه تدلّ على إشكالية كبرى تكمن في عدم تحديد طبيعة هذا الحراك، أهو إنتفاضة أم ثورة؟ فوسائل الإنتفاضة وتكتيكاتها وأهدافها تختلف عن وسائل وتكتيكات وأهداف الثورة.

الإنتفاضة تتوجّه عادة للسلطة بمطالب، غالباً ما تكون حياتية، وتمارس كل وسائل الضغط المتاحة، من تظاهر واعتصام وتسكير طرقات أو مرافق عامة، لدفع السلطة للتجاوب مع هذه المطالب. والإنتفاضة ليست بحاجة لأن تكون منظّمة، فهي تعكس مطالب الشعب بوضوح وبساطة، ومعيار النجاح هو تلبية هذه المطالب المحدودة ليس إلاّ.

أما الثورة فهي ترفض الإعتراف أصلاً بالسلطة القائمة ومطلبها واحد هو تغيير هذه السلطة. فهي بذلك يجب أن تكون منظّمة كي تستطيع من ناحية مواجهة ردّ فعل السلطة ومن ناحية أخرى التواصل مع بيئتها الحاضنة في الداخل وفي بلاد الإغتراب. فوسائل الإعلام أدوات أساسية بيدها ولكن صمودها طويلاً في وجه سلطة عاتية أمر غير أكيد. أما وسائل التواصل الإجتماعي فمن السهل توقيفها عن العمل كما هو الحال في الكثير من البلاد العربية.

بناءاً على ما نراه على أرض الواقع، هل نحن إذاً أمام انتفاضة أم ثورة؟

أولاً- الشعارات: أبرزها "كلّن يعني كلّن" و "فليسقط هذا النظام"، هي شعارات ثورة.

ثانياً- الأناشيد: أبرزها ما عرف ب"نشيد الثورة" ونشيد "الشعب يريد إسقاط النظام" هي أناشيد ثورية بامتياز.

ثالثا- المطالب: ثورية إنقلابية وليست مطالب حياتية محدّدة

- حكومة إنتقالية.
- صلاحيات تشريعية إستثنائية لتمكين الإقتصاد وتوقيف الهدر واسترجاع المال المنهوب.
- إنتخابات نيابية مبكرة.

إزاء هذا الواقع نحن أمام ثورة موصوفة، ولكن حين تنتظر المبادرة من السلطة تتصرّف كإنتفاضة مطلبية.

إنها ثورة ولكن حين ترفض قيام لجان تنسيق وقيادة جماعية تتصرّف كإنتفاضة مطلبية.

أنها ثورة تنتظر أن تقدم السلطة على الإنتحار؟ فمن هم الفاسدون ومن يهدر المال العام إذا لم يكن أحزاب السلطة أو أزلامهم؟ ومن يغطي هذه المنظومة إلاّ مجلس نواب يمثّل أحزاب السلطة؟ فبأي منطق تأمل الثورة بأن يقوم هؤلاء بنحر أنفسهم.

كما يقال بالعامية "أخوت يحكي وعاقل يفهم".

تمنياتنا لقادة الرأي في هذا الحراك المشرّف أن يختاروا بين أمرين:

الخيار الأول- التحوّل من ثورة الى انتفاضة مطلبية والإكتفاء مرحلياً بأنصاف الحلول (حكومة هجينة، محاسبة محدودة بالصف الثاني أو الثالث، لا انتخابات نيابية مبكرة) والتحضير بكل الوسائل للتغيير خلال الإنتخابات النيابية القادمة، للدخول الى الحكم بالطريقة التقليدية.

الخيار الثاني- تنظيم الحراك وهيكلته (ولو بطريقة مطاطة غير مركزية) بهدف المضي قدماً بالثورة. تتوجب على هذا الخيار مسؤوليات كبرى على مستوى الداخل اللبناني وعلى مستوى العلاقات الخارجية مع الإنتشار والدول الفاعلة. والنقطة الأهم هي كيفية المحافظة على البيئة الشعبية الحاضنة في ظل مواجهة تصاعدية مع السلطة.

الترقّب سيؤدي الى مزيد من الخيبة وتضييع الوقت. الرجاء تحديد الوجهة سريعاً والبدء بالعمل فوراً.

سامر أبو عراج
.
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS