أخبار

مقالات
الثلاثاء , ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٠
الإنتفاضة: لم الخوف من تشكيل مجلس قيادة؟ د. طارق شدياق

*الصورة هي لوحة (Serment du Jeu de Paume): في 20 حزيران 1789، أعضاء الفرع الثالث في الثورة الفرنسية في ملعب للتنس، يقسمون متعهدين "بعدم الانفصال وإعادة التجمع حيثما تتطلب الظروف، حتى يتم تأسيس دستور المملكة".



كتب "شارل مالك" منذ ما يقارب الخمسين سنة، في كتابه "لبنان في ذاته": "أمّا الإنحطاط فلا أعرف له علاجاً سوى وقوف غير المنحطّين في وجهه، وهم يؤلّفون الأكثريّة الساحقة من الشعب اللبناني". وفي قوله هذا صورة ثورة واضحة، أو دعوة مبطّنة إليها. 

ومن هم غير المنحطّين؟

هم الأكفّاء، نظيفيّ الكفّ والعين والفكر والقول والعمل. هم الذين يسيرون بجدّية تامّة على درب الإنسانية الوحيد الموصل الى الرقيّ، درب الأخلاق والجودة والصدق واتّباع الحقّ والذي لا درب سواه. هم غير الحقيرين، الخسيسين، الذين لا يرون في هذه المسيرة سوى مصالحهم ويجعلونها فوق كلّ المصالح بما فيها مصلحة أوطانهم. هم عارفو تراث الأجداد والثابتون عليه، الذين يعرفون تاريخهم وتاريخ بلدهم فلا يفرّطون بدماء شهدائهم ويدركون رسالته وسبب وجوده ويتابعون مسيرتهم الإنسانيّة على أرضه متمنطقين بالعلم من جهة والإيمان من جهة ثانية. على مثل هؤلاء تقوم الثورة والإنتفاضة والتحرّك. وعلى مثل هؤلاء يعوّل "مالك" على التغيير الإجتماعي والسياسي العام.

ومثل هؤلاء لا يمكن مفاوضتهم على مبادئ إنسانيّة ثابتة هي دائماً خارج النقاش. ولا يمكن استغباؤهم إذ لا يمكن استغباء كلّ مؤمن بالحق. مثل هؤلاء لا يمكن إقناعهم بأن ثراء بعض المتعاطين في الشأن العام هو إرث عائلي ولا شيء غير ذلك.  أو بأن القرار السيادي، قرار الحرب والسلم، يجب ألا يكون بيد الدولة لأن قواها الذاتيّة قاصرة، ولهذا هم بحاجة الى سلاح غير شرعي. وبأن بعد مرور ثلاثين سنة على انتهاء الحرب على أرضنا لا كهرباء عندنا، ولا حلّ لمشكلة نفاياتنا، وكسّاراتنا، ومياهنا، واتصالاتنا، ومسائل الهدر والسرقة والنهب والفساد والتبعيّة فقط لأنّ الآخرون يقفون للأوّلين عائقاً.  

هؤلاء فقط يمكنهم تحمّل مسؤوليّة القيام بثورة (أو انتفاضة أو حتى حراك) والوصول بها الى ما ترتجيه من أهداف. هؤلاء فقط يمكنهم لعب دور الموجّه والمنظّر ورسم الأهداف الكبرى والمفاوض حتى، متى اقتضى التفاوض. وهم في انتفاضتنا اللبنانيّة موجودون. ولأنّهم كذلك نحن بحاجة الى ثورتهم، والتي تشبه الى حدّ كبير ثورة النسّاك وقد قمنا بمثلها كثيراً في تاريخنا الغابر. ثورة لها من النهج النسكي ما يكفي لتحافظ على لبنان وثوابته وتدافع عنه في وجه كلّ طامع وكلّ متعاونٍ معه من الداخل بالعناد في الحقّ ، وكلّ فاسد وسارق وناهب برفض الذلّ والشهادة للحقيقة. ولا ننسى بأنّ الإيمان بالحرّية الكيانيّة هو ثورة حقّة كاملة، لا تصان إلاّ بإيقاف من يستخدمونها لمآرب شخصيّة بحسب ما يؤكّد "مالك" نفسه.

أجدادنا قبعوا في وادي قنّوبين مدّة مئات السنين. وهو وادٍ سحيق، واسع، عريض، فاغر فاه كما المبخرة. إنقطعوا عن العالم وانعزلوا عنه لكي يتّقوا همجيّة الأصوليّين وشراسة الظلاميّين. وما استطاعوا ذلك إلاّ لأنّهم شعب نسكيّ بالطبيعة، خبر المصاعب وتحمّل الأهواء من جهة وتمسّك بالرجاء مبدأً إيمانيّاً ثابتاً. وعندما حان الوقت (عند ملء الزمان) خرج هذا الشعب من واديه حاملاً مشعل النهضة في الشرق كلّه. وقد شكّل الأمر أعجوبة كبرى ما كان لمثلها أن تقوم في تاريخ الأمم. شعب منسيّ، إنقطع تواصله مع الآخرين، "نبت" من الوادي الوعر ليهديهم رقيّ وعمق إنسانيّ من خلال نهضة شاملة. هؤلاء الأجداد، وهم أجدادنا، يمكنهم القيام بثورة، ولمثلهم تحلو القيادة. إنّهم من صنف الملتزمين بقضية رقيّهم، غير المنحطّين، الذي صار الكلام عنهم منذ بداية هذه العجالة.

موجودون هم في إنتفاضتنا؟ ولا شكّ... فلنعلن عنهم إذاً ولنسلّمهم القيادة، أو، على الأقلّ، فلنسلّمهم التنظيم. فلندعهم يقودون المسيرات، ويعيّنون أماكن التظاهر، والأهداف الآنيّة والإستراتيجيّة. لم الخوف من تشكيل مجلس قيادة؟ إنّه الوحيد القادر على ضبط سوء التحرّك والوقوف في وجه الأخطاء والمفاوضة متى اقتضت. أمقبولٌ بعد أن يطلّ أحدهم في وسيلة إعلاميّة، ويروح يحدّثنا وبحقّ، عن الثورة والثائرين، وعن المطالب النبيلة التي يرفعونها، ثمّ ينهي حديثه قائلاً بأنّه لا يمثّل الثورة ولا ينطق بإسم الثوّار؟ أمقبول بعد أن تتفرّد مجموعة من الثوّار بالتحرّك والعمل من دون تنسيق وخارج الخطّ الإستراتيجي الذي يجب أن يكون واضحاً، ومرسوماً ومتّجهاً الى الأهداف المرسومة أو التي يجب أن تكون مرسومة منذ البدء؟ لا يكفي أن نقول أنّ الإنتفاضة قالت ما تريد فلينفّذوا لها مطاليبها. لن ينفّذوا شيئاً لأنّهم ليسوا على هذه البراءة مطلقاً. 

لا نترك لحراكنا ثغرة عدم وجود قيادة تحدّد التحرّك والمطالب وتعمل دائماً على تحديثه، على أن تكون من داخله حصرا. فلا بدّ لمثل هذه الثغرة أن تستغلّها السلطة. وإذ أعلم أن الكثيرين قد لا يوافقونني الرأي أوضح أنّي لست مقتنعاً بأن السلطة التي نطلب منها الإنتحار ستلبّي مطلبنا هكذا بكلّ براءة. وأشدّد انّ حقوق المسيحيين كما المسلمين تكمن في بناء دولة حقيقية تؤمّن الكرامة الإنسانيّة من خلال تأمين الحقوق البديهية الحياتيّة. أمّا في ما هو من استعادة الحقوق، ومسألة المسيحية المشرقية، والبحر الإسلامي، وتحالف الأقليات وخلق المحاور فلم تعد تنفع ولم يعد لها من معنى في هذا الزمن المتسارع وفي ظلّ هذه التكنولوجيا المتطوّرة.

يخيّل إليّ أنّ التاريخ يعيد نفسه بظروف مختلفة. فهو، في وسط ما يدور حولنا من ثورات وحروب واستفزازات مذهبيّة، يدعونا لحمل مشعل النهضة من جديد. فلنحمله جميعاً ولنعيد مبادئ الأجداد من عدالة ومساواة واحترام للآخر وحرّية التعبير وحرّية المعتقد والحقوق الإنسانيّة والاجتماعية والتربويّة، من مثل مجّانية التعليم وإلزاميّته. ولندعو كما فعل الأجداد بكلّ هذه المبادئ ليس لنا فقط بل لكلّ الناس. فليس قيمة الأنسان بما يبلغ إليه بل بما يتوق للبلوغ إليه. ولنثبت الى النهاية عارفين أنّ كلّ تنّين يلد مار جرجس ليقتله.

 

 د. طارق شدياق - الرئيس السابق للجنة جبران الوطنيّة

د. طارق شدياق
.
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2020 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS