أخبار

مقالات
الأربعاء , ٢٤ تموز ٢٠١٩
الحرية... و"الحريّة" المسجونة في قفصها - طوني عطية

يشهد عالم اليوم، بروز تيارات هدّامة تجرف معها الشباب تحت شعارات العصرنة والحداثة، وفقدان القدرة على التمييز بين الخير والشرّ، بين الفضيلة والرذيلة، والابتعاد عن قيم وسلوكيات تعتبرها معرقلة للتطور البشري، كالأخلاق، والإحترام، والتواضع، والحشمة، والإنضباط واحترام المعتقدات والأديان... ويبدو أن أسهل طريقة لاحتلال العقول وتسميمها وتخديرها واستعبادها، هي "الحرية" عبر سجنها في مفهوم أشبه بقفص وهو "الحريّة المُطْلَقَة". متوغّلة ومستغلّة بذلك، الفنّ والسياسة والدين وحقوق الإنسان...

أما هيغل، يعتبر أن "الحريّة المُطلقة والإستبداد يلتقيان عند نقطة واحدة"، واصفاً مسار التحرّر في الثورة الفرنسية الذي كان من مناصريها: "من الحرية المطلقة إلى الرعب".

إذاً، كل حريّة مطلقة متفلّتة، قد تكون مخيفة، مستبدّة ومدمّرة لكرامة الشخص البشري، ويمكننا الإستنتاج، استناداً إلى المنطق التالي:

ألا تؤدّي "الحريّة السياسة" المتفلّتة من الأخلاق، إلى الفساد وانهيار الدول!

و"الحريّة الاقتصادية" المتفلّتة من الحسّ الإنساني، إلى الجشع والإحتكار والخلل الإجتماعي!

و"الحريّة الدينية" المتفلّتة من جوهرها (المحبة والرحمة)، إلى التعصّب والتكفير!

و"الحريّة الإعلامية" المتفلّتة من الموضوعية وخدمة الحقيقة، إلى إشعال الحروب والفتن... كالحرب الأهلية الرواندية بين عامي 1990 و1993 التي راح ضحيتها مليون شخص، ما دفع مجلس الأمن في تشرين الثاني عام 1994، إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، لمحاكمة المتّهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، حيث أصدرت 27 حكماً ضدّ 33 متّهماً، بينهم ثلاثة من أصحاب وسائل الإعلام.

و"الحريّة الفنيّة" المتفلّتة من الإحترام والإبداع، إلى هتك القيم والمبادىء وإفساد العقول وتخديرها وضرب الذوق الإنساني...

بينما الفنّان كما قال عنه القديس البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته إلى أهل الفنّ، عام 1999: "إن الفنّان الإلهي تعالى، ينقل، برفق عطوف، شرارة من حكمته العليّة إلى الفنّان البشري، داعياً إيّاه إلى مشاطرته قدرته الإبداعية، وأن الفنان هو صورة الله المبدع".

 الحرية هي أخطر ما يقوم به الإنسان، لأنّها تعطي الحياة معنى الوجود. إن تفلتّت، تعتقله، تصيّره عبداً مطيعاً لملذّاته وشهواته، تجعله "حيواناً ناطقاً" بالشتيمة والتهكّم والسخرية. الحرية من دون "ضابطة أخلاقية مسؤولة" ليست سوى سيل مدمّر.

أما الحرية التي نفهمها كمسيحيين معنيين بها وبتحديّاتها، وناضلنا في سبيلها عبر تاريخنا، ولولاها لما صمدنا في هذه البقعة من العالم، ولولانا لما بقي لها ساحة واحدة في هذا الوطن في كافة مجالاتها الدينية، السياسية، الثقافية، الإجتماعية والفنيّة...  هي التي لا تخضع لابتزاز الرذيلة، ولا تردّ السيف بالسيف، ولا العنف بالعنف... الحرية التي نفهمها، منفتحة على كل الثقافات والحضارات والفنون، لكنّها ليست غبية لتنجرف في المتاهات، بل واعية، مستقيمة، حكيمة، صلبة، شامخة صامدة كالصليب في وجه رياح هذا العصر وكل العصور، تستمدّ كل أفعالها وأقوالها وتصرّفاتها من الروح القدس وليس من روح هذا العالم.

المسيحيون الحقيقيون هم أكثر من يعرفون الحرية ويقدّسونها، لأنّ المحبة التي هي جوهر إيمانهم، شَرطها الوحيد هو الحرية (لا محبة من دونها)، والحريّة التي لا تؤدّي إلى المحبّة، تكون هي العبودية بذاتها التي توصل إلى الهلاك، وتفكيك المجتعات وضرب أعظم ما صنعه الله، أي الإنسان.

 

 

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS