أخبار

مقالات
الثلاثاء , ٢٤ تشرين الأول ٢٠١٧
الفساد السياسي الطالع في لبنان – الأب صلاح أبو جودة اليسوعي

من تعريفات الفساد السياسيّ الأكثر شيوعاً تلك التي تربطُ اللفظة باستغلال السلطة العامّة في سبيل المنفعة أو الربح الشخصييّن، وتخليص المعاملات في الدوائر الرسمية من خلال الرشوة أو الواسطة، أو الوصول إلى مركز في مؤسّسة عامّة أو خاصّة من طريق الضغط أو الإبتزاز أو شراء الضمائر. ولكن إضافة إلى هذا التعريف العامّ، تُضاف مصطلحات أخرى تعبّر هي أيضاً عن الفساد بصفته ذهنية سائدة، منها: الزبائنيّة، والمحسوبية، والمحاصصة، والتحيّز، وغيرها.

ومن الجليّ أنّ كلّ أنواع الفساد هذه تلتقي على الإلتفاف على القانون أو تجاوزه أو تسخيره أو التلاعب به بغية الوصول إلى هدف له منفعة شخصيّة أو فئوية، قد يكون ماديّاً أو معنويّاً. أما النتيجة فهي، قبل كلّ شيء، تراجع هيبة الدولة، وتسخيف القانون الذي من دونه لا تنتظم حياة المجتمع، وتراجع دور الكفاءة والأخلاق المهنيّة في شغل الوظائف في مختلف القطاعات، وهدر الأموال العامّة، والعجز الاقتصاديّ، وغياب مبدأ المحاسبة. وباختصار، كما سبق أن رأى أرسطو وأفلاطون، إنّ الفساد خلل يدمّر النظام السياسيّ أيا كان نوعه. ودورُ الممسكين بالسلطة في تفاقم هذا الخلل المدمّر أو تراجعه حاسم كما بيّنه ماكيافيلي، إذ ربط الارتقاء بالمواطنيّة الصالحة ببروز قادة عظام يلهمون الفضيلة المواطنين المتسمين طبيعياً بالضعف. وفي حال غياب مثل هؤلاء القادة، يمسي الفساد شديد الخطورة، ويلحق التشويه الفضيلة نفسها.

وإن كان يمكن ملاحظة ممارسات الفساد بدرجات متفاوتة وبأشكال متعدّدة في جميع المجتمعات وفي مختلف الأزمنة، فإنّها تكتسب في الإطار اللبناني طابعاً متفاقماً مزمناً، أي تصعبُ معالجتها من خلال تبنّي توصيات الهيئات العالميّة والمحلّية المعنيّة بمحاربة الفساد، واتباع الإجراءات المألوفة التي تلجأ إليها المنظّمات غير الحكومية ومنظّمات المجتمع المدني. فتلك التوصيات والإجراءات تستند بالأكثر إلى علم الواجبات والأخلاق المهنيّة، فتركّز على شفافية الإنفاق الحكوميّ، ومكننة الدوائر الرسمية، وتعزيز الرقابة المدنيّة وغير الحكومية على عمل مجتمعهم، والإلتحاق بالمعاهدات الدوليّة الخاصّة بمحاربة الفساد، وتحسين رواتب الموظّفين الرسميّين.

فإن هذه المعالجات التقليديّة، في الإطار اللبنانيّ، اصطدمت وتصطدم بالذهنيّة الطائفيّة التي تسود الوسط السياسي، ذهنية تختلط في تكوينها عناصر المجتمعات التقليدية مثل الأبويّة والإقطاعية والتبعيّة والاستعبادية والعصبيّة، بممارسات الفساد المذكورة أعلاه، لتكوّن مجتمعة نظاماً اجتماعياً وسياسياً معقّداً لا يمكن أن يستمر إلا من خلال سياسات تخلقُ حكماً جوًّا مؤاتياً لانتشار الفساد. فإن عمل المؤسسات الدستورية يتوقّف على تسويات أو مساومات بين اللاعبين الأقوى على أساس التراضي أو المحاصصة، وليس على أساس احترام الدستور والقوانين. وعندما يصبح التراضي والمحاصصة وسيلةً لحلّ النزاعات وسنّ القوانين الجديدة، تُهمّش المعايير الوطنية والقانونية وتهمّش معها الخلاقية التي تفترضها. وفي ظلّ تصاعد الخطاب الطائفي الذي تعيشه البلاد من بضع سنوات ويشتدّ عند كلّ نقاش بشأن مصلحة عامّة أو ثروة وطنيّة أو سياسة خارجية أو قانون انتخابيّ، وتوظّف فيه كلّ القضايا بما فيها قضية الفساد بطريقة فاسدة، أي على نحو يهدف المصلحة الشخصيّة لا العامّة، لا يمكن البلاد أن تخرج من نفق الفساد.

لا يمكن أن يكون أرباب الخطاب الطائفي الممسكين بصنع القرار الوطنيّ قادةً بالمعنى الذي يذكره ماكيافيلي؛ لا يمكن هؤلاء القادة الطائفيين ان يكونوا مصدر إلهام فضيلة وطنيّة، بل، على نقيض ذلك، هم المسؤولون على زيادة إضعاف المؤسسات الدستوريّة وتسخيف القانون وحثّ المواطنين على ممارسة الفساد. وفي الواقع، إن نظرة واقعيّة إلى صميم المشهد السياسيّ تكشف عن أن ليس ثمّة محاربة للفساد، بل مجرّد ضوابط معيّنة له يضعها اللاعبون الكبار لمنع انهيار الهيكل على مَن فيه، ليس إلاّ. لذا، تبدو البلاد وكأنّها تعيش من "قلّة الموت".

يُزيدُ عملُ المؤسّسات الدستورية والعامّة انطلاقاً من الأساس الطائفيّ الذي يُضاعف من خطورته الخطابُ الطائفيّ المستشري، الفساد غير المؤسساتيّ، والقصد به الفساد الذي يسود حياة المواطنين خارج أطر المؤسّسات. فما تلهمه الممارسة الطائفية في المؤسسات ويلهمه أرباب الخطاب الطائفيّ إن هو إلاّ إفساد الأخلاق الشخصية. وتكتسب هذه النزعة خطورة مضاعفة عندما يجد المواطنون أنفسهم منساقين إلى ممارسات فاسدة بدافع من "ملهميهم"، في وقت لا يشعرون فيه بأنّهم محاسبون شخصياً على أعمالهم. فالمسؤولية، في نظرهم إما تُلقى على النظام السائد، إذ عليهم أن يعيشوا تبعاً "لأخلاقية السوق"، وإمّا تُلقى على "الملهٍمين" وهؤلاء هم، في الوقت عينه، شرّ لا غنى عنه. وفي الواقع، يهيمن "المُلهمُ" على أخلاقية "الملهَم"، إذ يُكره على نكران القيم الخلاقية التي يجب أن يتحلّى بها، ويُحيده عن كلّ حسّ بمسؤوليته تجاه الخير العامّ، ويجرّه الى سلوك المسلك الطائفيّ اللاأخلاقيّ. فعوض التضامن والتعاطف والإنصاف في تعامل المواطنين بعضهم مع بعض، يسود الحذر والخوف والنفور والعداء؛ وبدل السعي لتطوير شعور مشترك بانتماء وطني وولاء كامل للوطن، يتزايد الشعور الطائفي بل والمذهبي وما يرافقه من عصبيّة مرضيّة.

لا يمكن أن تبدأ محاربة الفساد إلا بتبنّي خطاب وطني حقيقي يتجاوز الطائفية. فهل سيحظى لبنان بقيادات تُلهم الفضيلة والمواطنيّة الحقّة؟


*أستاذ في جامعة القديس يوسف

  

الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS