أخبار

مقالات
الثلاثاء , ٠٢ تشرين الأول ٢٠١٨
الوثنية السياسية - طوني عطية

بعد الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، سار الناس وراء هتلر الذي قاد بلاده إلى هزيمة متتالية، فتخلت ألمانيا عن "الفوهرر" لصالح سياسيّ عادي ذو كفاءة علمية وطباع إنسانية طبيعية يُدعى كونراد أديناور، وعندما أرادت برلين الغربية التخلّص من الحكم الاستبدادي الشيوعي في شرقها، لم تخلق "هتلراً" جديداً ليحرّرها أو يعيد وحدتها، بل واجهت الواحد بالتعددية، الأزلي بالتداول، القبضة الحديدية بالماكينة المتطورة.

في اليابان، قبل الحرب العالمية الثانية، كان لقب الأمبراطور "تينو" أي "صاحب السيادة السماوية". بعد الخسارة، عُدّل الدستور ونصّ على أن الأمبراطور هو "رمز الدولة ووحدة الشعب" دون أي سلطة سياسية، مع الإشارة إلى أن العائلة الملكية هي الأكبر في التاريخ وتمتدّ إلى 600 سنة قبل الميلاد.

رغم السقوط في الجحيم، تخلت الدولتان عن "الآلهة" وأتت بمسؤولين غير أبديين، إرادتهم مستمدّة من حقوق الناس وواجباتهم. فبنوا مجتمعات متطورة أعظم من تلك التي كانت في ظلّ "المَعبود"، فحققت الأمان الإقتصادي والإجتماعي والسياسي والرفاهية من دون خوف أو عقدة نقص تملؤها بزعماء "خارقين" يخرقون قواعد اللعبة السياسية المبنية على حقّ مشاركة الجميع في الشأن العام بكافة مستوياته، وفي أن يندرج إسمك في قائمة رؤساء دول امتهنوا في وقت ما وظائف عادية، قبل أن يجدوا أنفسهم في موقع المسؤولية، من دون دمّ ونار وظروف قاهرة وانقلابات وصفقات وخزعبلات... إنما بطريقة سلسة تلقائية، كجدولٍ أو نهرٍ يأخذ مساره الطبيعي ليصبّ في بحره، كذلك هي البيئة السياسية في الدول المؤمنة بالديموقراطية التي تجعل من حياتها أشبه بنظام الطبيعة الذي يعالج ذاته بذاته، عكس شعوب "الوثنية السياسية" حيث السلطة مكان رهيب مقدّس لا ينتسب إليه أي "عادي"، وإن دخله، فبوسائل استثنائية، وغالبا ما تكون وحشية أو مغلّفة بإطار شرعيّ.

هذه حال دول المنطقة، تستمر الآلهة في حُكم شعوبها رغم توالي الهزائم والانسحاق العام التام، والمفارقة هي أنه كُلّما غرقت في المآسي، تراها تبحث عن زعيم ينتشلها بمواصفات "تاريخي، أبدي"، عن معصوم، بلا خطأ، لا شبيه له، به "كُسِرَ القالب" رغم تكسيره وتحطيمه أي فرصة أو رافعة لنقل المجتمعات من الهزيمة به، إلى ديناميكية الإنتصار من دونه، وتحقيق الازدهار وتعزيز ثقافة الديمقراطية عوض استغلالها وتفريغها من روحانيتها ومضامينها وجعلها (أي الديمقراطية) مجرّد آلية ووسيلة وصول إلى السلطة.

في الحقيقة، نحن شعوب لا مثيل لها بين الأمم، في خلق آلهة تحكمها في وثنية سياسية بشرية، كالفراعنة الذين قاموا بتأليه ذاتهم بدلاً من عبادة الأصنام الصامتة أو الظواهر الطبيعية، فرأوا أنه بـ"توثين" أناس تتحرك، تسمع، ترى، تفعل، تأمر... أفضل وأنجع من عبادة حجرٍ باردٍ جامدٍ صمدٍ.

هذه "الفرعونية" هي أقرب النماذج إلى واقعنا اليوم، ولا نعلم حقيقة إلى أي عصر عتيق ننتمي، حيث قام الزعماء أو الحكام وبقبول شرعيّ شعبي، في صناعة "الوثنية السياسية الجديدة"، بإنشاء دور عبادة تحت عباءة الأحزاب والمؤسسات وقنوات الإعلام والتواصل والوسائل الحديثة، لإجراء أخطر عملية "عبودية" تطال المجتمعات أو الشعوب، وهي قولبة الأفراد والهيمنة عليهم، وأعظم احتلال هو نجاح "الفرعون" في اجتياح عقول "المثقفين" فيحققون له المعادلة التالية: تسمير القاعدة الشعبية به، وتثبيته في رأس القاعدة. سياساته دائما ناجحة، معاركه دوماً منتصرة، لا مجال للعبّاد النقاش أو الإعتراف بالأخطاء، يفعلون ما يفعل، يُحبّون ما يحب، يكرهون ما يكره. أما الغرابة والدهشة تكمن في ثقة المواطن العمياء به وانعدامها في الدولة (التي هو مسؤول فيها وعليها) حتى اليأس والبحث عن الرحيل والكرامة الإنسانية... والسلام!

أي وثنية هذه!؟ أي قدرٍ نكتبه بإرادتنا!؟ إنه الخوف الذي يجعل من الإنسان خالق لعبوديته، فيما الحرية تأتي من الذي خلقنا لأنه أحبّنا، وفي الحبّ يزول الخوف، وعندما يموت الخوف تحيا الثورة الداخلية وتتكسّر الأوثان الخارجية.

 

 

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2018 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS