أخبار

مقالات
الثلاثاء , ٠٥ حزيران ٢٠١٨
"تفاهم معراب" في "غرفة العناية الفائقة" - شوقي عشقوتي

أسفرت الإنتخابات النيابية عن تبدل ملموس في المشھد السياسي على الساحة المسيحية التي صارت مختصرة بقوتين رئيسيتين ھما التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، في وقت تراجع حزب الكتائب في التصنيف السياسي الى الدرجة الثانية ليتساوى مع تيار "المردة" كقوتين محليتين (في المتن وزغرتا) مع ثلاثة نواب لكل منھما...كرّست الإنتخابات بشكل واضح وبـ"الأرقام" ثنائية مسيحية متكافئة، وأشاعت أجواء من الإرتياح لدى المسيحيين الذين أتاح لھم القانون النسبي انتخاب أكثر من 50 نائبا بأصواتھم وقوتھم الذاتية، والحد من ضغوط الفجوة الديموغرافية الآخذة في الإتساع. وشكل ھذا القانون حافزاً قوياً على المشاركة التي سجلت على الساحة المسيحية أعلى مستوياتھا منذ الطائف. لم يكن عدم التحالف بين القوات والتيار موضع استغراب واستھجان في الشارع المسيحي، ولم يثر قلقا مع أنه شمل كل المناطق وكانا الحزبين الوحيدين اللذين لم يلتقيا في أي دائرة. فقد كان القانون النسبي كافيا لتبرير ھذا الإفتراق في ظل قواعد جديدة للعبة الإنتخابية تفرض تشكيل لوائح منفصلة ومتواجھة... كما جاءت النتائج لتؤكد صوابية ھذا الرأي مع خروج الطرفين رابحين من الإنتخابات: القوات اللبنانية ضاعفت كتلتھا النيابية واعتبرت نجم الإنتخابات، والتيار الوطني الحر أصبح مع حلفائه صاحب الكتلة الأولى في مجلس النواب بعدما كان تيار المستقبل يشغل ھذا المركز منذ العام 2005.

ما كادت الإنتخابات تنتھي معلنة انطلاقة "مرحلة الأقوياء" (تكتل "لبنان القوي" و"الجمھورية القوية") على الساحة المسيحية، وما كاد ملف الحكومة الجديدة يُفتح، حتى تبددت أجواء الإرتياح و"الفرح"، أو على الأقل شابتھا أجواء قلق وحذر بسبب ما بدا من "خلاف قوي" انفجر مرة واحدة بين الطرفين ولكن لم يكن من دون مقدمات وتراكمات. ھذا الخلاف الذي انطلق من مجلس النواب وجولة أولى دارت حول موقع نائب رئيس المجلس، يتركز في الحكومة وبضراوة، وحيث تتطلع القوات الى تحسين كتلتھا الوزارية كمّاً ونوعا بما يتناسب مع حجمھا الشعبي والنيابي الجديد، فيما يرفض الوزير جبران باسيل مثل ھذا الأمر، معتبراً أن حصة القوات في الحكومة السابقة كانت مضخمة وأن حصولھا على موقع نائب رئيس الحكومة تم بناء على رغبة وقرار رئيس الجمھورية. وفيما تتحسب القوات لمحاولات تطويق وإقصاء ومنعھا من ترجمة انتصارھا الإنتخابي حكومياً، ولسياسة "إحراج للإخراج"، بمعنى أن تقبل ما يعرض عليھا أو أن ترفضه وتنتقل الى المعارضة، فإن ھذا المنحى تدحضه الوقائع التي تدل الى أن وجود القوات في الحكومة بات مطلبا أساسيا عند الخصوم قبل الحلفاء، وأن رئيسي الجمھورية والحكومة حريصان على حكومة وحدة وطنية لا تستثني أحداً.

يُنظر الى "العقدة المسيحية" على أنھا العقدة الأبرز التي تعترض سبيل الحكومة وتؤخر تأليفھا، ولكن سيصار عاجلاً أم آجلاً الى إيجاد حل لھذه العقدة وعلى قاعدة أن تكون للقوات حصة وزارية وازنة (٤ وزارات مع إثنتين أساسيتين)، وست وزارات لتكتل "لبنان القوي" (ضمنا الطاشناق) وثلاث وزارات لرئيس الجمھورية ووزارتين لكل من "المردة" والكتائب... ولكن الصراع المتجدد بين القوات والتيار لا ينتھي مع انتھاء عملية تشكيل الحكومة، وإنما مرشح للإستمرار لأنه أبعد وأعمق من صراع أحجام وحصص في الحكومة، وإنما ھو صراع على المرحلة المقبلة التي تشكل الحكومة محورھا ومركز الصراع فيھا. إنه صراع خيارات سياسية، صراع على مستقبل الوضع والزعامة، وعلى رئاسة الجمھورية المقبلة... ولا مجال ھنا للمقارنة بين ثنائية شيعية راسخة منذ عقدين، وثنائية مسيحية ولدت منذ سنتين بدءا من "اتفاق معراب" وصولاً الى الإنتخابات النيابية. الثنائية الشيعية محكومة بمشروع سياسي استراتيجي واحد، مع قيادة استثنائية لديھا قدرة وأھلية الإستيعاب وزعامة ثانية لديھا قدرة التكيّف والتسليم بأنھا رقم2... ثنائية تكاملية في ساحة ألغيت فيھا كل القوى الأخرى ولا مكان لتنوع وتعددية سياسية...

الصراع السياسي في الإنتخابات وعلى الحكومة أمر طبيعي ومألوف وجزء من قواعد اللعبة ومكوناتھا... ولكن ما يثير القلق عند المسيحيين أو غالبيتھم العظمى، أن الصراع يتجاوز حدوده وبدأ يلامس الخط الأحمر معلنا عودة الوضع المسيحي الى ما قبل اتفاق معراب الذي ھو أولاً اتفاق المصالحة المسيحية الذي وضع حدا لسنوات من القطيعة والخصومة وأجواء الحقد والكراھية، وشكل إنجازا مھما نقل الوضع المسيحي من ضفة الإحباط والمراوحة الى ضفة استعادة الثقة والدور والموقع، وأعطى ثماراً سريعة في وصول "الرئيس القوي" الى رئاسة الجمھورية وانبثاق كتلتين قويتين عن المجلس النيابي الجديد.

ما يجري منذ ما بعد الإنتخابات من حملات وأزمة ثقة وتسرب التوتر السياسي الى مواقع التواصل والجامعات وانقطاع التواصل المباشر، يفيد بأن تفاھم معراب يحتضر وموجود الآن في غرفة العناية الفائقة. وإذا كان ثمة من فرصة لإنقاذه ما زالت متوافرة، فإنھا تفرض تغييراً في آليات العلاقة وأقنية التواصل والإتصال بعدما استنفدت "قناة كنعان ـ الرياشي" وتجاوزتھا الأحداث والأوضاع الجديدة بعد الإنتخابات... وربما يتطلب الأمر تفاھماً جديداً... إذا صح أن تفاھم معراب وقعه العماد ميشال عون عندما كان رئيساً للتيار الوطني الحر، وأنه انتھى مع نھاية الفصل الأول من العھد...

شوقي عشقوتي
Press Group  المؤسسة اللبنانية للصحافة والنشر
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2018 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS