أخبار

مقالات
الجمعة , ٢٤ آب ٢٠١٨
توماس مور... شفيع السياسيين: "سأظلّ خادماً للملك لكنني قبله خادم للرب"

"سأظل خادماً للملك لكنني، قبله، خادم للرب"، هذه الكلمات الأخيرة التي قالها توماس مور، أحد أشهر الساسة والفلاسفة الإنكليز في القرن السادس عشر، قبيل تنفيذ حكم الإعدام بحقّه بتهمة الخيانة العظمى تجاه الملك هنري الثامن الذي كان قد عيّنه في منصب كبير مستشاريه لمزاياه الفكرية وحنكته السياسية، ثم وزيراً للمالية، وانتخب كناطق باسم مجلس العموم.

عُرف مور بالتزامه العميق بالكنيسة الكاثوليكية، وبأفكاره السياسية، ومن أشهر كتبه "اليوتوبيا" و"المقطوعة اللاذعة" و"تاريخ الملك ريتشارد الثالث" و"حوار متعلّق بالبدع"، وظل على إخلاصه للعرش حتى واجهته كأي مسؤول أو مستشار، عدّة مسائل أدت إلى تصادمه مع الملك، بدأت مع زيادة فرض ضرائب باهظة على الشعب، ما دفعه للإستقالة من البرلمان.

ثمّ معارضة طلاق "سيّده" من زوجته كاترين لعجزها عن إنجاب "وليّ العهد" وزواجه بإحدى نساء البلاط الملكي وتدعى "آن بولين"، حتى وصل الخلاف إلى ذروته عندما نصّب الملك هنري الثامن نفسه رئيساً للكنيسة الكاثوليكية في إنكلترا، الأمر الذي رفضه توماس مور بشدّة وعدم توقيعه على المراسيم الملكية والإذعان لإرادة هنري الثامن، وعلى هذا فقد سُجن لتنفيذ حكم الإعدام.

عندما ارتقى منصة المقصلة ووجد أنها ضعيفة توشك أن تنهار قال لجلاده: "أرجوك أيها الملازم أن تراعي أن أكون في أمان وأنا في أعلاها"، وطلب منه الجلاد الصفح والمغفرة فاحتضنه مور. ثم وضع رأسه على المقصلة، وسوى بعناية لحيته البيضاء الطويلة، حتى لا تتعرض لأي أذى وقال: "مما يؤسف له أنها سوف تقطع، وأنها لم ترتكب جريمة خيانة الدولة"، فقُطع رأسه وعٌّلق على جسر لندن عام 1535 وسرت موجة من الرعب في إنكلترا التي أدركت وقتذاك قسوة الملك، التي أصر عليها، وسرت في أوروبا قشعريرة من الفزع.

وبعد أربعة قرون على استشهاده، أعلن البابا بيوس الحادي عشر، توماس مور قديساً عام 1935.

 

قال عنه قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر خلال لقائه مع ممثلي مجلس العموم البريطاني  وأعضاء الهيئة الدبلوماسية، وبعض رجال السياسة والأكاديميين  في مدينة "ويستمينستر" لدى زيارته المملكة المتحدة في العام 2010: "أذكر بخاصة شخصية القديس توماس مور المفكر ورجل الدولة الانكليزي العظيم الذي يحبه المؤمنون وغير المؤمنين على حد سواء لأنه تبع ضميره حتى على حساب إغضاب الملك الذي كان له "الخادم الصالح"، ذلك لأنه اختار أن يخدم الله أولاً".

أصبح توماس مرو شفيع السياسيين المتمسّك بمبادئه وإيمانه رافضاً التخلي عن قيمه وأخلاقه حتى لو كلّفه الأمر قطع رأسه، تاركاً السلطة والنفوذ والجاه والمكانة الإجتماعية المرموقة، مطبّقا قول سيّده "اترك كل شيء واتبعني" فتبعه إلى الصليب عرش الملوك الأحرار، في حين أننا نعيش في عصرٍ تأكله التيارات النفعية والتزلّف والفساد لدى العديد من السياسيين. فكم من مسؤول أو مستشار هو خادمٌ لسيّده على حساب ربّه وأخلاقه؟ كم من رؤوس تُقطع ليس عن الجسد إنما عن الخدمة أو الوظيفة أكان في المراكز العامة أم في الأحزاب أم في التيارات  السياسية، لأن ذاك الرأس مُعلّق بضميره الحيّ، الحرّ، وليس بإرادة سيّده أو زعيمه... قبل مور بـ 16 قرناً، قُطع رأس يوحنا المعمدان لأنه أراد أن يكون خادماً للرب أولاً، رافضاً الإعتراف بزواج الملك هيرودوس الباطل.

السياسة هي أخطر أنواع العمل البشري، لأنّها مرتبطة عضوياً بالخير العام، فالقرارات والمواقف السياسية التي يأخذها المسؤول تطال المجتمع بأكمله وتنعكس على صلاحه وخيره وخلاص الإنسان، فكم من سياسي مؤتمن على الشأن العام يردّد قائلا: "سأظل خادماً للملك لكنني، قبله، خادم للرب"؟

 

 

 

 

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2018 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS