أخبار

مقالات
الجمعة , ١٥ أيار ٢٠٢٠
حكومة دياب وخطتها للتعافي المالي - واقع أم خيال
تعرّضت خطة التعافي المالي التي أطلقتها حكومة دياب لإنتقادات عنيفة من شخصيات بارزة إتهمتها بضرب النظام الإقتصادي الحرّ وبتغيير هوية لبنان الإقتصادية ووضع اليد على نظامه المصرفي الناجح، الى ما هنالك من تهم تستوجب، في حال ثبتت، ملاحقة الحكومة الحالية أمام القضاء لخرقها الدستور والقوانين التي جعلت من لبنان في ما مضى سويسرا الشرق.
الجديد في هذه المواجهة هو وجود خطة تقنية مكتوبة. فسياسيو لبنان الذين لم يقدّموا يوماً لمحازبيهم وناخبيهم أي برنامج عمل، واضعين أنفسهم تحت المساءلة في حال عدم تنفيذه، إعتادوا على التراشق الكلامي شمالاً ويميناً. أكثرهؤلاء فاتهم أن هناك نصاً من 53 صفحة يجب تحليله تقنياً من قبل أخصائيين، قبل إبداء الرأي. ردودهم تظهر أنهم لم يتكبدوا حتى عناء قراءته أو السعي الى فهمه، مع أن الترجمة العربية واضحة الى حدّ كبير، بالرغم من إغفالها نقاط أساسية وردت في النسخة الأصلية الإنكليزية.
خدمة للحق والمنطق وبعيداً عن الإعتبارات السياسية الضيّقة، عكفنا على أن تكون قراءتنا هذه لحكومة دياب ولخطتها الإنقاذية مستقلّة عن الإصطفافات اللبنانية التقليدية، لتزيل بعض الإلتباسات وتوضح العديد من النقاط المهمة.

أولاً- الأزمة في إطارها العام: قبل التطرّق الى الخطة المالية بحدّ ذاتها تجدر الإشارة الى أن المشكلة المالية في لبنان هي نتيجة لنظام المحاصصة والفساد وعدم الكفاءة وسوء الإدارة والسرقة وليست سبباً له. وقد أصابت حكومة دياب حين اقتصرت خطّتها على معالجة النتيجة دون السبب، فهي تعرف حدودها وتعلم جيداً أن دائرة عملها لا تطال تركيبة المحاصصة بين زعماء الطوائف، فهي لا تستطيع أن تقوم بما عجزت عنه ثورة 17 تشرين. فمن المعلوم أن نتيجة نجاح أي ثورة في العالم تتجلّى في إزالة السلطة الحاكمة المستبدّة واستبدالها بسلطة جديدة نابعة من رحم الثورة. وهذا ما لم تنجح به حتى الآن، ولسوء الحظ، إنتفاضة تشرين التي تأرجحت بين الثورة الفعليّة التي ترفض التفاوض مع السلطة الحاكمة وتصرّ على إسقاطها،  وبين الإنتفاضة المطلبية الشعبية التي بضغطها على السلطة لتحقيق مطالب محددّة، تعترف بها ضمناً وتنتظر منها حلولاً (مراجعة مقالتنا إنتفاضة أم ثورة). نتج عن هذا التأرجح أنصاف حلول على الطريقة اللبنانية إقتصرت على إسقاط حكومة الحريري دون المسّ بالسلطة التي أولدتها. فما كان من هذه السلطة نفسها إلاّ استيلاد حكومة هجينة جاءت كنسخة معدّلة عن حكومة الحريري مع تحسينات ملحوظة. والفرق الوحيد الذي أحدثته هذه الحكومة هو الإقرار بهذا الواقع والإنكباب على العمل ضمن الإطار المتاح لها. فما لم تستطع الإنتفاضة تحقيقه بالقوة لا يمكن توقّعه من حكومة دياب.
أما لمعالجة السبب الحقيقي للأزمة، ليس هناك الاّ طريق من اثنين:
الطريق الأول عبر الإنتخابات النيابية التي تتيح وصول الإصلاحين الحقيقيين الى مجلس النواب، وهذا يتطلب تنظيم صفوف "الثوار"، توحيد الرؤيا والبرنامج وتحضير المرشحين.
الطريق الثاني عبر ثورة شعبية شاملة جديدة تطيح بالطبقة الحاكمة وتنسف هذا النظام من أساساته وتمهّد لقيام دولة عصرية تتماشى مع تطلّعات أجيال المستقبل.

ثانياً- في شكل الحكومة: هناك الكثير من المفردات والأوصاف المغلوطة التي تُعتمد في لبنان حصراً، ومنها مثلاً مقولة "حكومة التكنوقراط" التي تقارن مع "حكومة السياسييين". فإذا كان مثلاً الوزير السياسي من أصحاب الإختصاص، فهل يصنّف كسياسي أم كتكنوقراط؟ أو إذا افتقد الوزير لأي خبرة إدارية، مهنية، تقنية... فهل يصنّف بأنه سياسي؟
السياسة هي إدارة أمور الناس وخدمة الخير العام، وكل من يمتهنها، أكان صاحب اختصاص أم لا هو سياسي بحكم الوظيفة. فالمقارنة التي تصحّ عندنا هي بين "حكومة حزبيين" و"حكومة غير حزبيين"، كما هي الحال مع حكومة دياب. فالأولون يأتمرون مباشرة بزعماء أحزاب الطوائف، أما الثانون، فبالرغم من تأثرّهم الإلزامي بهم، بسبب التركيبة الطائفية للدولة ونظام المحاصصة، يحتفظون لأنفسهم بهامش من الحرية في العمل يتّسع أو يضيق حسب طبيعة الأشخاص وحسب الظروف السياسية الداخلية. فعلى سبيل المثال، يمكن للضغط الشعبي الكبير أن يوفّر لحكومة دياب أو بعض وزرائها الغير حزبيين حجّة وهامشاً مقبولاً للعمل.
كما من المفيد والمحقّ أن نقارن، ولو بالشكل، إنتاجية هذه الحكومة مع إنتاجية الحكومات السابقة التي اعتدنا عليها. فمن الثابت أنه في ثلاثة أشهر فقط، تجاوز عدد ساعات عمل مجلس الوزراء ما قامت به أي حكومة سابقة في سنة كاملة على الأقلّ. كما من الملفت أن أكثرية الوزراء هم من أصحاب الكفاءة، يتمتعون بدماثة الأخلاق وآداب التخاطب.

ثالثاً- في دور حزب الله: منذ قيامها، أتهمت حكومة دياب بأنها صنيعة حزب الله، تخضع لإملاءاته وتنفّذ سياسته. والواقع أن كل الحكومات اللبنانية منذ جلاء الجيش السوري في 2005 هي تحت التأثير المباشر لحزب الله، أرادت تلك الحكومات ذلك أم لم ترده. فقوّة حزب الله ودوره الأقليمي يتخطيان مجال الدولة اللبنانية ودائرة عمل أي من حكوماتها. أسطع دليل على ذلك هو أحداث أيار 2007 التي، وبالرغم من وهج 14 آذار 2005 ومن الزخم الشعبي والدعم العربي والدولي لحكومة السنيورة في ذلك الوقت، أعادت تطويع العمل الحكومي ليتماشى مع رغبة حزب الله. كذلك إضطرار سعد الحريري للتراجع عن عدائه المطلق لحزب الله وللجلوس معه بغية تأمين وصوله وبقائه في الحكم، بالرغم من انتصار 14 آذار في إنتخابات 2009 ومن صدور القرار الإتهامي من المحكمة الدولية في 2011. وأيضاً إضطرار الجنرال عون للتوافق مع حزب الله، وهو كان من أشرس المطالبين بعدم وجود أي سلاح غير سلاح الجيش اللبناني.
فمن 2005 وحتى تتغيّر موازين القوى الأقليمية والدولية أو حتى تتبلور معالم الشرق الأوسط الجديد، سيبقى حزب الله اللاعب الرئيسي في لبنان، كائناً من كان في سدّة المسؤولية في أي موقع من مواقع الدولة اللبنانية.

رابعاً- خطة التعافي المالي: من الناحية التقنية المالية تعتبر هذه الخطة جيدة جداً، فهي بالفعل أحاطت بكل القطاع وقاربت المشاكل البنيوية بمجملها. كما وطالبت بصلاحيات استثنائية للحكومة لإعادة هيكلة القطاع المالي، وهذا أحد مطالب "ثورة 17 تشرين". ولكن برأينا ينقص هذه الخطة ثلاثة أمور:
أ - إنها خطة مالية حصراً وليست إقتصادية شاملة، فهي لم تتطرّق الى باقي القطاعات المنتجة إلا بشكل عام، والتي وحدها ستؤمن ديمومة الإقتصاد على المدى الطويل، بعد الإنتهاء من الإصلاح المالي،. ونذكر منها: الصناعة، الزراعة، السياحة، البيئة، الطاقة المتجددة، إقتصاد المعرفة...
ب - باعتمادها الأساسي على الدعم الخارجي بحوالي 10 مليار دولار من صندوق النقض الدولي والدول المانحة بالإضافة الى تقديمات مشروع CEDRE، لم تطرح الحكومة أي خطة رديفة أو بديلة في حال تعثّر أو حتى فشل المفاوضات مع هذه الأطراف الثلاثة. والمعلوم أن هكذا مفاوضات، وبالرغم من ظاهرها التقني، تخضع لضغوطات وإملاءات سياسية كبيرة من الدول التي تدير هذه المنظومة والتي لا تتناغم مع سياسة لبنان واصطفافه الحالي. فما البديل في حال فشلت المفاوضات؟
ت - لم تحز محاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة على الأولوية في الخطة، بل جاءت ضمن فقرة "الإصلاحات المتقاطعة" التي ستترافق مع باقي الإصلاحات. وهذا دليل إضافي بأن حكومة دياب صادقة مع نفسها وتعرف أنها لن تتمكن من مكافحة الفساد لأنها بذلك ستصطدم مع زعماء الطوائف الأقوى منها. ولكن هل سيرضى المجتمع الدولي بدفع المال دون وقف الهدر والفساد؟ واذا فعل، فكم سيكون الثمن باهظاً (توطين، ترسيم حدود...)؟

كان يجدر بالحكومة أن تعمد أولاً الى استرجاع الثقة ووقف ما أمكن من مسارب الهدر قبل التوجه الى صندوق النقد والى الدول المانحة. ليس صحيح أن هيمنة حزب الله هي السبب في عدم محاربة الهدر والفساد. فإذا كان حزب الله مسؤولاً كما يشاع عن تهريب النفط والطحين وغيره الى سوريا، أو عن تمرير بضائع لتجار محسوبين عليهم على المرفأ والمطار دون المرور بالجمارك، فهل حزب الله مسؤول عن بناء سدود غير مسدودة، أو عن تأجير أراضي خليج سان جورج بدولار واحد للمتر، أو عن الأملاك البحرية، أو عن كارتيل الغاز والنفط، أو عن شركات الخليوي، أو عن التوظيف العشوائي الغير قانوني أو عن إدارة مرفأ بيروت، أو عن شبكة المجارير التي تصبّ بالبحر، أو عن توقيف التعيينات القضائية، أو عن ردم البحر بالنفايات...؟
التحدّي الأكبر لحكومة دياب ليس إقناع صندوق النقد بخطة التعافي بل بإقناع زعماء الطوائف بأن البديل الوحيد قبل أن يتحوّل لبنان الى فنزويلا جديدة أو قبل أن يشهد ثورة جياع، دمويةً هذه المرّة، تطيح بهم وبعائلاتهم، هو التنّحي الطوعي عن السلطة وتأمين مليارات الدولارات من أزلامهم (كما يحصل الآن مع كارتيل الفيول وما أشيع عن عروض من أصحاب الشركات بدفع مبالغ كبيرة لقاء عدم التعرّض لهم) وفتح المجال لإصلاح حقيقي يمنع الإنهيار بانتظار ظروف دولية مناسبة تسمح باجتراح حلّ لسلاح حزب الله وقيام الدولة القادرة العادلة والسيّدة.
سامر أبو عراج
.
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2020 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS