أخبار

مقالات
السبت , ٠٢ تشرين الثاني ٢٠١٩
صراع الأجيال وثورة التواصل الإجتماعي

الإنتفاضة الشعبية غير المسبوقة التي شهدها لبنان في 17 تشرين والتي استمرّت لأسبوعين متواصلين، تمّ تحميلها الكثير من الإتهامات بالعمالة والسطحية، بالتضخيم والسذاجة... وبالنتيجة اضطرت السلطة، مرغماً عنها، للانصياع، ولو جزئياً، للمطالب الشعبية من خلال إستقالة الحكومة.

ولكن ما يجدر التوقّف عنده هو التعارض divergence الملفت بين المنتفضين والسلطة، وكأن كل طرف يتكلم لغة مختلفة أو حتى يعيش في كوكب مختلف. هذا ما ظهر جليّاً في خطابات وتصريحات السلطة ومن معها (رئيس الحكومة، السيد نصرالله، نائب رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية)، وكأنها لم تفهم ما كان ينادي به مئات الألوف ممّن نزلوا الى الشارع.

طبعاً لا أحد يتوقّع أن يقدم أركان سلطة المحاصصة الطائفية على الإنتحار السياسي والتدمير الذاتي. ولكن عند القراءة المتأنيّة والموضوعية لخطاباتهم، يمكن استنتاج أن السلطة ومن ورائها لم تستطع تمييز من يثور عليها فعلياً ونسبة كلّ منهم ومدى تأثيره. هل هم الفقراء، العاطلون عن العمل، الشباب الحالمون بمستقبل أفضل، عملاء السفارات؟ أم الأحزاب المتضرّرة من التسويات السياسية القائمة؟ لذلك اعتمدت الحلّ الأسهل وافترضت أنها بمواجهتهم جميعاً. وضعتهم في سلّة واحدة مع التصويب على الأحزاب والسفارات وتضخيم حجم تأثيرهم.

نتيجة لهذا التشخيص الركيك البائس لن تؤدّي اقتراحاتها للحلول من ورقة إصلاحية أطلقها رئيس الحكومة الى طروحات رئيس الجمهورية وما يشاع عن الحكومة الجديدة الاّ لتوسيع الهوّة بين المنتفضين والسلطة على ما يبدو، ولفتح الباب على أزمة أكثر عمقاً وتشعّباً.

برأينا أن الصراع الرئيسي الذي يكمن وراء هذه الإنتفاضة هو صراع بين جيلين:

جيل ما فوق الخمسين سنة وجيل العشرينات،

جيل ينظر الى الوراء وجيل ينظر الى الأمام،

جيل وسائل التواصل الإجتماعي وجيل بالكاد يعرف استعمال الكمبيوتر لكتابة تغريدة،

جيل يرتكز على التوازنات الطائفية التقليدية منذ الإستقلال وحتى الطائف وجيل ولد في التسعينات لا يفهم إلّا منطق الإنفتاح والعولمة،

جيل انغمس بالحرب الأهلية ويحمل عاهاتها وجيل نقيّ لا يخشى من الآخر،

جيل الرجولية والزنود وجيل الموسيقى والسلام،

جيل الأحزاب والتحالفات السياسية الكلاسيكية وجيل الجماعات السيبرانية cyber communities،

جيل يقاتل لبناء مستقبل لن يعيشه وجيل يقاتل لبناء مستقبله هو،

شعار "فليسقط هذا النظام" ومهما كثر مستغلّوه الآنيين، ليس ضد اشخاص محدّدين ولا ضد منظومة قائمة مهما عظم فسادها. إنها ضد جيل بأكمله، بموالاته ومعارضته، بأحزابه وطوائفه. حجم الفساد والتقهقر أعطى لهذه الإنتفاضة زخماً إستثنائياً وتضامناً شعبياً ليس إلاّ، ولكن هذه الإنتفاضة كانت لتقع عاجلاً أم آجلاً اذا لم ينكفئ الجيل القديم المنتهية صلاحيته بحكم الطبيعة ويشرّع الباب أمام الجيل الجديد ليبني المستقبل الذي يراه مناسباً بحسناته وسيئاته، بهفواته وأخطائه.

سامر أبو عراج
.
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS