أخبار

مقالات
الأثنين , ٣٠ أيلول ٢٠١٩
فشل الثورات الإجتماعية في لبنان - طوني عطية

أثبت تاريخ لبنان السياسي الحديث، أن الثورات الإجتماعية فشلت في تحقيق غاياتها، أو في بناء قاعدة جماهيرية متماسكة، منتظمة، مستدامة في حيثيّتها وشرعيتها، وإن تبنّتها وقادتها أحزاب وتيارات "مدنية" أو "يسارية" لها باع طويل في حياكة الشعارات، وخبرة عتيقة في النزول إلى الشوارع... غير أن تلك الحالات بقيت مبعثرة، عشوائية، فوضاوية، تصطدم بالواقع فتخرج منه محلّقةً في فضاءٍ افتراضي، حتى لو كانت تحمل في مطلبيتها هموم الناس ومشاكلهم الحياتية في أسوأ أيامهم، الأمر الذي يطرح السؤال التالي: لماذا فشلت كل الثورات الإجتماعية، فيما نجحت بعض الانتفاضات أو الثورات السياسية (لو جزئياً)؟ هل تكمن المعضلة في هوية المتظاهرين وخلفياتهم؟

الثورة الفعّالة التي يمكن أن تؤتي ثمارها وأن تخلق تغييراً ملموساً لواقع سيّء، هي التي لا تقع في ميادين بيروت وساحاتها، ولا تقودها تنظيمات وتيارات لا لون لها، لا طعم ولا هوية. لا قيادة، لا أهداف ولا مفاهيم واضحة. أزمة التيارات المدنية، واليسارية... أنّها تشخّص المشاكل الاجتماعية وتطرح الحلول بعيداً عن الرؤية السياسة وارتباطها العضوي بطبيعة المجتمع اللبناني وتركيبته المعقّدة. أي أن الأزمة الحقيقية، قبل أن تكون إجتماعية، إقتصادية، إدارية... هي سياسية بامتياز، لها علاقة مباشرة بشكل الدولة ونظامها السياسي المركزي الذي تتحكّم به مجموعة من الأوليغارشية الشرعية! نعم، يجب الإقرار والإعتراف أن تلك القوى السياسية الحاكمة المتحكّمة بالنظام السياسي، تمتلك الشرعية الشعبية والقانونية، وأن ساحاتها أكبر وأفعل من شوارع "المدني"، لسبب واقعي تاريخي، وهو، أنها تمثّل وجدان مجتمعاتها الطوائفية التي يتكوّن منها لبنان، وتطرح هواجس ومصالح طوائفها الوجودية، مع العلم أنها قد تستغلها وتتاجر وتستثمر فيها من أجل بقائها في السلطة بشرعية مستمدّة من شعوبها. لذا، أي تجاهل لهذه الحقيقة المجتمعية أو التعالي عليها، هو عمى سياسي فاضح!

أمام هذا الواقع، يمكن الحديث عن ثورة إجتماعية واحدة نجحت في تاريخنا، ألا وهي "ثورة الفلاحين" التي قادها طانيوس شاهين في جبل لبنان الماروني بين عامي 1850- 1860، محققةً تغييراً في بنية النظام السياسي الإقطاعي آنذاك وتأثيره المباشر على الواقع الإجتماعي. فكانت ثورة اجتماعية برؤية سياسية، والأهم أنها استمدّت قوّتها الثورية من طائفتها، حيث كانت الكنيسة هي الداعم والمظلّة الشرعيّة لتلك الحركة الشعبية العاميّة الإجتماعية.

مثل آخر في تاريخنا الحاضر؛ "انتفاضة الأرز" أو ثورة 14 آذار، التي هي عبارة عن التقاء المصالح الوجودية المشتركة للطوائف اللبنانية، الإسلامية والمسيحية (باستثناء الجزء الأكبر من الطائفة الشيعية)، حول ضرورة التحرّر الوطني من الإحتلال السوري. فلولا الوعي الثوري الذي نشأ داخل الطوائف أو داخل القوى السياسية الشعبية الطوائفية، لما نجحت تلك الثورة في إخراج الجيش السوري، مع أنها ضمّت إليها شرائح وشخصيات من مستقلين ويساريين وعلمانيين ومجتمع مدني... لكن الركيزة الأساسية كانت الطوائف.

ما يعني، أن الثورة التي شهدتها ساحة الشهداء في 14 آذار 2005، لها ساحاتها الخلفية وهويتها وحاضنتها وطعمها المستمدّ من حقيقة المجتمع اللبناني التعددي.

 

خلاصة القول، إذا أرادت الثورات أو الإنتفاضات أو المظاهرات أكانت اجتماعية أم سياسية، أن يُكتب لها النجاح في شوارع بيروت، عليها أن تشتعل أولاً في ساحات جونية والبسطة والبصّ وبعقلين والتلّ... أي أن يحصل التغيير المنشود داخل كل طائفة، أن ينتفض الشيعي والسنّي والدرزي والمسيحي... داخل بيئاتهم وطوائفهم، ليفصلوا "القمح الجيّد" عن الزوؤان والأوليغارشيات المتحكّمة بهم والمستغلة لهواجسهم التاريخية والوجودية المحقّة. فـ"الشرعية لا تتغير إلا بشرعية"، وهكذا هي الطوائف، لن تتخلّص من علّاتها ووصولييها، إلا بوعيٍ طائفي داخلي ينتج عنه بروز رأي عام ضاغط أو حركات وقيادات جديدة تشبه مجتمعها وهويته، تستمدّ شرعيتها من شعبها وتاريخها، وأن تلتقي تلك "الشرعيات" الآتية من ميادينها الخاصة المتمايزة، في ساحة واحدة، جامعة، مشتركة، ائتلافية، متعددة غير منصهرة أو مغلّفة بقشور وشعارات لا لون لها.

على كل طائفة أن تنظّف ذاتَها بذاتِها، لتخلق من هذا الوطن واقعاً جميلاً، لأنها وحدها (الطوائف) قادرة على فعل ذلك، لأنها حقيقة مجتمعية، وعليها أن تتحمّل مسؤولياتها وأن تنتفض على نفسها لمعالجة كل قضاياها المتعثّرة بدءاً من السيادة المنقوصة إلى السلاح غير الشرعي وصولا إلى الفساد وبنية النظام السياسي المركزي الفاسد.

 

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS