أخبار

مقالات
الجمعة , ٠٤ تشرين الأول ٢٠١٩
فقرٌ ديموقراطي وتخمة شرعية - طوني عطية

من تعقيدات مفهوم القيادة السياسية في لبنان وعلاقتها بإدارة الشأن العام، أن كافة الزعماء أو معظمهم، قد بنوا زعامتهم أو وصلوا إليها بطريقة غير ديموقراطية: توريث سياسي، ظروف حرب، تكليف ديني... بالرغم من تمتّعهم بشرعية وقبول شعبي متين داخل أحزابهم وبيئاتهم.

الأحزاب عندنا والقوى السياسية المناطقية، هي أقرب إلى عشائر مُطعّمة شكلياً وظاهرياً بنكهة من الحداثة السياسية، كونها تتنافس في ما بينها للوصول إلى السلطة السياسية بآليات ديمقراطية عبر الإنتخابات النيابية، واعتماد الأصول السياسية والقانونية في تشكيل الحكومات المتعاقبة في السلطة التنفيذية. فيما تكاد تنتفي هذه الديموقراطية بمفهومها الحديث الذي يشترط مبدأ تداول السلطة، داخل الأحزاب على كافة المستويات، وأهمها رأس الهرم، ما يطرح أزمة ثقافية سياسية، بإتجاهين:

الأول، الشعب الذي يجدّد لزعيمه مدى الحياة، أو لولايات غير محدّدة، (أكان عبر إنتخابات شكلية معروفة النتائج دون منافس، أو تزكية، أو قبول جماهيري معلن باستمرار سلطة الزعيم)، هو شعب غير ديموقراطي يخشى التغيير خوفاً من انعكاسه سلباً على واقع الحزب وديمومته في حال تبدّل الزعيم.

الثاني، الزعيم الذي يرضى تجديد سلطته لأكثر من ولاية أو ولايتين، هو شخص سلطوي فاقد لصفة ومفهوم القيادة الحديثة، لأن القائد (هذا ما يفرّقه عن الزعيم) هو الذي ينتج قادة يقودون، ليس من بعد رحيله عن هذه الدنيا الفانية، إنما بظلّ وجوده وحضوره الشخصي والمعنوي. هذا التمسّك الأبدي بالسلطة، مردّه على المستوى النفسي أنه يرى في ذاته، صورة المنقذ والمخلّص الأكبر والأهم والأعظم لشعبه ومجتمعه، ولا يمكن لأحد أن يملأ الفراغ من بعده، وأن غيابه سينعكس سلباً على الجماعة الحزبية المتعلّقة والمرتبطة بشخصه عاطفياً حتى أعماقها، كما أنه لا يستطيع أن يتصوّر نفسه خارج مركز القيادة، ولا حياة سياسية له كعضوٍ في مجلس القيادة أو في المكتب السياسي، كأنه خُلِقَ للزعامة ولن يموت إلا في أحضانها، فتصبح الحياة من أجل الزعامة وليست الزعامة من أجل الحياة.

هذا الواقع، يطرح إشكالية علاقة القيادة السياسية الحزبية وذهنية ممارستها السلطتين التشريعية والتنفيذية: هل يمكن لأحزاب غير ديموقراطية أن تنتج حياة سياسية طبيعية متطوّرة؟ ولماذا تقبل تداول السلطة وترفضها داخل أحزابها؟ كيف يُعقل أن تطالب الأحزاب بالمحاسبة والمساءلة السياسية والشفافية المالية والإدارية في السلطة العامة، ولا تسمح بمحاسبة رئيس الحزب أو حتى مساءلته بشأن قراراته وخياراته وسياساته الحزبية والعامة؟ لماذا يَطيبُ لتركيبتنا النفسية وذهنيتنا السياسية وجود رئيس دولة سابق ونرفض الحديث عن رئيس حزب سابق؟

هذا يخلص إلى أننا نعاني من "فقر ديموقراطي" مقابل "تُخمة شرعية". فليس كل ما هو شرعي هو ديموقراطي، لكن كلّ ما هو ديموقراطي هو شرعي. والشرعية بلا ديموقراطية تنتج مجتمعات أقرب إلى القبلية والعشائرية من المجتمعات السياسية المتطوّرة، المبنية بشكل أساسي على ثقافة الديموقراطية، التي يجب أن تنبثق أولاً، من وداخل الأحزاب، كونها العامل الرئيسي لوجود حياة سياسية وديموقراطية.

 

 

 

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS