أخبار

مقالات
الخميس , ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧
قراءة سياسية شاملة في "العودة المشروطة": الظروف - الأسباب - النتائج

مثلما فاجأ الرئيس سعد الحريري الجميع باستقالته من الرياض، فاجأھم بعودته عنھا من بعبدا. لم يقل إنه عاد عن الإستقالة ولكن "التريث" ھو التعبير السياسي المخفف الذي يعني عمليا أنه "تراجع" عن الإستقالة لمجرد أنه لم يقدمھا ويؤكد عليھا بعدما كانت كل التوقعات تشير الى أن تقديم الإستقالة الى رئيس الجمھورية حاصل والكلام السياسي يأتي بعد ذلك وفي الفترة الواقعة بين التكليف والتأليف.

في اللغة الدستورية، لا شيء إسمه "التريث"، فإما استقالة أو عدم استقالة. وطالما لم تقدم الإستقالة الى رئيس الجمھورية ولم يصدر مرسوم قبولھا، فإن الحكومة تتمتع بكامل المواصفات والصلاحيات ويمكنھا أن تجتمع وتقرر وكأن شيئا لم يكن...

في اللغة السياسية، ما حصل أن الحريري تراجع خطوة الى الوراء وتخلى عن الإستقالة الملتبسة من السعودية وخفض سقفه السياسي وتموضع في منطقة وسطى تتيح له العودة الى مربع الإستقالة أو حسم خيار الإستمرار في رئاسة الحكومة. وبھذا المعنى يكون حصل "تجميد أو تعليق" للإستقالة التي يتحدد مصيرھا في ضوء ما ستؤول إليه المشاورات وحركة الحوار والنقاش السياسي بشأن تحسين وتدعيم التسوية، وبما يساعد الحريري على تثبيت وضعه ورد اعتباره وحفظ ماء الوجه له... وبالتالي، فإن الحكومة "المعلقة على استقالة معلقة" تظل سياسيا لا دستوريا في وضعية تصريف أعمال، ومن المستبعد أن تجتمع كمجلس وزراء في فترة المشاورات...  ليس ھناك من مھلة محددة للمشاورات ولكنھا بالتأكيد ليست محصورة بأيام كما أنھا ليس مفتوحة على أشھر، والمسألة مسألة أسابيع ويمكن الكلام عن "فترة سماح وانتظار وھدنة" حتى نھاية العام.

كما أن الإطار السياسي لـ"المشاورات" لم يحدده الرئيس ميشال عون حتى الآن. ولا يُعرف ما إذا كان سيأخذ شكل مشاورات شاملة متعددة الأطراف على طريقة المشاورات التي أجراھا بعد "أزمة الإستقالة"، أو إذا كان سيأخذ شكل اتصالات ونقاشات مقفلة ضمن مربع "عون ـ بري ـ الحريري ـ نصرالله"، أو تتطور الى حوار وطني شامل واستئناف ما كان جرى في السنوات الماضية للوصول الى "دوحة لبنانية".

حصلت اجتھادات وتأويلات سياسية وسال حبر كثير في تفسير الأسباب التي أملت على الحريري استقالة مفاجئة بھذه الطريقة ومن خارج لبنان، الأمر نفسه يتكرر الآن في التنقيب عن الأسباب التي دفعته الى العودة عن استقالته بھذه الطريقة الملتبسة أيضا، وستطرح تساؤلات كثيرة:

١-ھل خطوة التراجع عن الإستقالة منسقة مع السعودية أم لا؟!

 ثمة مؤشرات دلّت الى مرونة طرأت على الموقف السعودي منذ اللحظة التي "أخلي فيھا سبيل الحريري بكفالة سياسية"، وبعد ذلك حصل توقف في "تغريدات السبھان" ووصل السفير السعودي الجديد وليد اليعقوب الى بيروت، ووصلت برقيتا تھنئة بالإستقلال من السعودية الى الرئيس ميشال عون باسم الملك سلمان وولي العھد الأمير محمد بن سلمان. ولكن ھذه مؤشرات غير كافية لا تتناسب مع حجم وحدة الحملة السعودية المستمرة والتي بلغت نقطة الذروة دبلوماسياً في اجتماع القاھرة.

 قبل عودة الحريري الى بيروت كان الجميع تقريباً متيقناً من أنه آت لتقديم الإستقالة والتأكيد عليھا، وأنه لا يستطيع أن يتراجع في بيروت عما فعله في الرياض، لأن ذلك سيكون بمثابة تأكيد غير مباشر بأن الإستقالة فرضت عليه، وعندما تحرر من الظروف التي أملتھا تراجع ... وبالتالي، فإن إقدام الحريري على "التريث" عنھا يعكس خللاً في علاقته مع القيادة السعودية ناجم إما عن "سوء تفاھم" أو "سوء تنسيق" مع بوادر "أزمة ثقة متبادلة"، وھذا ما يمكن ملاحظته في الطريقة التي تعاطت بھا وسائل الإعلام السعودية مع "تريث" الحريري وعكست انزعاجاً مقروناً بانتقادات وعلامات الإستغراب كيف أن كلام الحريري في أربع محطات أمس (قصر بعبدا ـ بيت الوسط ـ دار الفتوى ـ عين التينة) خال من أي إشارة سلبية ضد إيران وحزب الله، وأيضاً من أي إشارة إيجابية تجاه السعودية.

٢- ماذا حدث في فترة ما بين خروج الحريري من الرياض وعودته الى بيروت، وتحديدا في محطتي "فرنسا ماكرون و"مصر السيسي"؟!

ثمة كلام متداول عن "وساطة أو مبادرة فرنسية ـ مصرية" منسقة على قاعدة استمرار الحريري في رئاسة الحكومة والحفاظ على استقرار لبنان، وعن موقف أميركي داعم لھذا التوجه وغير متحمس لاندفاعة السعودية في لبنان، وقد ظھر في خلال زيارة السبھان غير الناجحة الى واشنطن.... وعن مداخلات خلفية جرت من روسيا وألمانيا والأردن والكويت تصب في ھذا الإتجاه أيضا. وھو ما أدى الى نشوء ضغط دولي على السعودية حال دون إكمال ما بدأته والى نشوء تمايز عربي عن السعودية التي حصلت على تأييد عربي جامع في كل ما له علاقة بإيران وحزب الله، ولكنھا لم تحصل على مثل ھذا التأييد في ما يتعلق بـ"لبنان" ومعادلة الإستقرار والتسوية التي تحتم بقاء الحريري.

٣- ھل حزب الله مستعد لملاقاة الحريري في منتصف الطريق ومقابلة التريث وما تشكله من خطوة الى الوراء من جانب الحريري، بخطوة الى الأمام من جانبه والتجاوب مع ما يطلبه الحريري كي يستمر في الحكم، وما يطلبه الرئيس عون كي ينجح في معالجة الأزمة واحتوائھا؟

يتصرف الحريري من خلفية أنه فعل ما عليه وقدم أقصى ما يمكنه، وأن "الكرة" لم تعد في ملعبه وإنما مررھا الى ملعب حزب الله عبر رئيس الجمھورية التي وضعت الإستقالة في عھدته... وما يريد الحريري قوله عبر خطوته إن "التريث" لا يعني إغلاق باب الإستقالة بقدر ما يعني فتح باب الحوار... بعد بيان الرياض (الإستقالة) ردّد عون وبري وحزب الله أنھم ينتظرون عودة الحريري للوقوف منه على ما حدث ليُبنى على الشيء مقتضاه... والآن بعد بيان بعبدا (التريث) يقول الحريري ما مفاده إنه ينتظر ما سيفعله عون وبري وما سيقدمه حزب الله خصوصاً ليبني على الشيء مقتضاه. كانت الأولوية في الأسبوعين الماضيين لـ"عودة الحريري"، وأصبحت الآن لـ"الحوار"... مر "قطوع"  الإستقالة ولكن الأزمة باقية الى حين معالجة أسباب الإستقالة.

أعطى عون وبري ما يكفي من إشارات تدل الى استعدادھما لإعطاء الحريري، في حال عدوله عن استقالته، ما يريد من ضمانات تتعلق بمسألة النأي بالنفس... وأعطى حزب الله، الذي مارس الصمت وضبط النفس حيال موضوع الإستقالة منتظراً عودة الحريري وتحديد وجھته السياسية، إشارات أولية تدل الى استعداده لفتح باب الحوار والنقاش في الأسباب والمخارج، ولإظھار مرونة وتقديم "تنازلات معنوية أو شكلية"، ليس فقط من باب تفھم ظروف الحريري الصعبة والضاغطة ومساعدته، وإنما أيضا من باب تقدير موقف الحريري "الشجاع والمسؤول" و"مكافأته"... والنتيجة أن حزب الله الذي كان قبل عودة الحريري "الى لبنان وعن الإستقالة"، قدم دفعة سياسية أولى "على الحساب" بأن أعلن تحضيره للإنسحاب من العراق وإعادة النظر بوجوده في سوريا، وبأن نفى أي علاقة له بتسليح الحوثيين في اليمن وبالصاروخ البالستي الذي أُطلق على الرياض، ھذا الحزب يشجع فكرة الحوار والنقاش في النقاط والمطالب التي يطرحھا الحريري لطي صفحة الإستقالة بشكل كامل ونھائي، وتتمحور حول نقاط أربع:

- اتفاق الطائف: صونه وااللتزام به.

- علاقات لبنان العربية: عدم الإضرار بھا.

 - صراعات وحروب المنطقة: النأي بالنفس.

 - سلاح حزب الله: تحييده وفتح حوار وطني حوله.   

أسھل الأمور وأيسرھا ھو اتفاق الطائف ولا مشكلة عند أحد في التأكيد عليه وتجديد الإلتزام به... وأصعب الأمور و"أعقدھا" ھي مسألة السلاح الذي يضعه حزب الله خارج البحث، خصوصاً في ھذه المرحلة. فكل شيء قابل "للأخذ والعطاء" إلا السالح. ولا يعدم الحزب وسيلة لتأكيد حرصه على علاقات لبنان العربية وللمسايرة في سياسة النأي بالنفس، وإن لم يكن مقتنعا بھا وبجدواھا. وھذه "أثمان وضمانات" مستعد حزب الله لأن يدفعھا ويقدمھا، وتعتبر ذات كلفة منخفضة قياساً الى مردودھا السياسي، وعلى ثلاثة مستويات: الأول ھو الإحتفاظ بالحريري الأنسب والأفضل ولا بديل عنه حتى إشعار آخر لا في رئاسة الحكومة ولا في زعامة الطائفة السنيّة... والثاني ھو حماية وصيانة عھد الرئيس الحليف ميشال عون بحماية التسوية التي أنتجته وتقوم على "ثنائية" عون ـ الحريري... والثالث ھو الوصول الى محطة الإنتخابات النيابية كمحطة مفصلية تعلن انتھاء المرحلة الإنتقالية التي استمرت طيلة الحرب السورية وبدأت بإقالة الحريري وھو في الخارج وانتھت باستقالته من الخارج.

 
22 تشرين الثاني 2017 كان يوماً وطنياً بامتياز وكان يوماً سياسياً بامتياز. من العرض العسكري في وسط بيروت الى الإستقبال الرسمي والتريث الحكومي في قصر بعبدا، الى الإحتفال الشعبي في بيت الوسط، محطات ثلاث كان سعد الحريري فيھا "النجم ومحط الأنظار" وأسفرت عن نتائج سياسية مھمة، وھذه بعض منھا في قراءة أولية:

١-ثبت أن استقرار لبنان ما زال مطلباً وعنواناً دولياً وإقليمياً، وأن المظلة الدولية ما زالت فوقه وتحول دون تفجير أوضاعه الھشة.

٢-تأكدت العلاقة الوثيقة بين الإھتزازات اللبنانية والأوضاع المتحركة في المنطقة مع دخولھا مرحلة التسويات الكبرى.

٣-ثبت أن الإستقرار اللبناني قائم على تسوية وتوازنات دقيقة لا يمكن الإخلال و"اللعب بھا"، ومعادلة "لا حكومة من دون حزب الله" يضاف إليھا اليوم معادلة "لا حكومة من دون الحريري" الذي تحول رقماً صعباً وأساسياً في المعادلة...

٤-الرئيس سعد الحريري خرج من ھذه الأزمة أقوى و"الضربة التي لا تميت تحيي". الحريري مستنداً الى شبكة علاقات دولية وعربية يتفوق بھا، ومتسلحاً بدعم عون وبري وحزب الله وحاجتھم له، ومستقوياً بشعبية منتفضة ومتحلقة حوله، لم يعد الحلقة الأضعف في الحكم واستعاد في أسبوعين ما كان خسره في سنتين (من لحظة ترشيحه للنائب سليمان فرنجية) على المستويين السياسي والشعبي بعدما كان حوصر باتھامات وانتقادات تحمله مسؤولية "تسوية غير متكافئة وخاسرة سلمت البلد الى حزب الله وسار في لعبة مال وسلطة على حساب مبادئ ١٤ آذار".

٥ -سعد الحريري، بقدر ما اكتسب زخماً شعبياً كان في أمس الحاجة إليه قبل أشھر من انتخابات حاسمة، فإنه يواجه وضعاً دقيقاً وصعباً يحمله على الإستمرار في تھيّب الموقف ويرتب عليه مسؤوليات جديدة، إن لجھة أن يكون في مستوى آمال وتطلعات جمھوره وفي عدم التسبب له بإحباطات وخيبات جديدة إذا انتھى به المطاف الى العودة الى واقع ما قبل ٤ تشرين الثاني... أو لجھة القدرة على التوفيق بين ضروراته اللبنانية وعلاقته مع السعودية واجتياز اختبار دقيق يبدأ من إثبات أن العودة عن الإستقالة ليست تحدياً للسعودية وأن انتفاضة الشارع السنّي لم تكن ردة فعل على ما حصل معه في السعودية من احتجاز وضغوط، ومن تلويح بورقة البديل "بھاء الحريري".

 

شوقي عشقوتي
Press Group  المؤسسة اللبنانية للصحافة والنشر
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS