أخبار

مقالات
الأثنين , ٠٤ آذار ٢٠١٩
لاهوت الصلاة*
لا شك أن عصرنا هذا هو عصر مضطرب. فقلّة الاستقرار وعدم الأمان في كل مكان. الريبة تراود الشباب المهمومين على مستقبلهم، وتساور الأهل القلقين على أولادهم، وتنتاب العمّال المرتابين حول وظائفهم. الريبة تسود كلَّ مستوى اجتماعي وكلَّ خطوة من خطوات الحياة تقريبًا. كيف نتعاطى مع عدم الأمان الذي لا يسود بين الناس وحسب بل داخل الانسان أيضًا. باختصار: كيف يبقى المرء ثابتًا في عالَم من التقلّب والتحوّل؟ حتماً ليس عبر المحافظة على مَسحة أمان وهميّة من خلال الهروب من وقائع الحياة والارتماء في حضن عالَم من الخيال.

 بينما ينظر المؤمن المسيحي إلى هذا المشهد كله، يطرح على نفسه السؤال التالي: "أيجب أن يكون الوضع على هذه الحال؟ أم أن هناك خللًا ما؟ ثم ماذا عساي أفعل لأكون في حالة من الطمأنينة والسلام، ولأساعد الآخرين أيضًا على بلوغها.

لا شيء أوضحَ للذي يؤمن بالمسيح والكنيسة من حقيقةِ أننا مهيَّؤون للعيش بسلام، ليس في ما بيننا وحسب، وهذه ناحية خارجية، بل في داخلنا أيضًا، وهذه ناحية داخلية ضاربة في أعماقنا... فباستثناء رؤية الله، تبقى أعظم مُلكية يملكها الإنسان على وجه الأرض، ألا وهي: العيش بسلام.

السلام الداخلي نوعان: سلام القلب، وهو للمسيحي المؤمن، غياب الصراع بين إرادته وإرادة الآخرين، وفي النهاية بين إرادته وإرادة الله. يكون قلبي في سلام عندما أريد ما يريده الله، وعندما لا أتوق إلّا إلى ما يتوق إليه. وسلام العقل، وهو للمسيحي المؤمن، غياب الصراع بين عقله وعقل الآخرين، وفي النهاية بين عقله وعقل الله اللامتناهي. يكون عقلي في سلام عندما أعرف ما يعرفه الله، إنما بقدْر ما يستطيع المخلوق أن يشارك في بحر الحكمة الإلهية.

إن كان سلام العقل يعني امتلاك حقيقة الله، فمن الطبيعي أن يتوقف كل شيء على امتلاكنا هذه الحقيقة، لذا ما علينا إلّا أن نستخدم الوسائل المطلوبة للحصول عليها: "ابحَثْ عن الحقيقة وصُنْها وعِشْها... فتبلغ سلام العقل". لكن كيف لي أن أمتلك حقيقة الله إن لم أحادثه، وأصغي إليه، وأسبّحه، وأعبده، وأتغذّ منه. أيّ بكلمة، إن لم أصلّي. وهنا السؤال: ما هي الصلاة وكيف أصلي؟

على هذا السؤال يجيب الأب جون هاردن اليسوعي في كتابه "لاهوت الصلاة". يرى الأب هاردن أن عدم إقبال الناس على الصلاة، أو عدم ممارستهم الصلاة بشكل كافٍ، هو مرتبط بشكل أساسي بضعف الإيمان، الإيمان بعالم لامرئي هو من كل النواحي أعظم من العالم المرئي الزماني والمكاني. فهو لحسن الحظ أوفر من العالم الحاضر الذي نعيش فيه، وأقوى منه، وأشدّ خبرة، وأجمل، وأقدس. إنه ما نسميه أحيانًا عن طريق الخطأ "العالم الثاني". لكنه ليس العالم "الثاني" على الإطلاق، إذ يُخال بذلك أنه لم يزل بانتظار أن يكون في حين أنه موجود بحق. ثم من قال إنه العالم الثاني؟ إنه عالم يعي وجودنا وعيًا عميقًا حتى عندما لا نعي وجوده، ويهتم برفاهنا اهتمامًا جمًّا. إنه في الحقيقة أسهل منالًا من العالم المحيط بنا.

فبالنسبة للأب هاردن، الصلاة هي المحادثة السامية التي نخوضها بطريقة غامضة مع عالم الله اللامرئي... حين نعبد الله نتواصل مع اللانهاية، وعلى الرغم من كوننا مخلوقات، نتكلم مع القدير الذي كان ولم يزل إلى دهر الداهرين. آنئذٍ نكون، ويا لها من كلمة عادية، في "محادثة" مع الله.

يعتبر الأب هاردن أن المفهوم السائد للصلاة من حيث كونها التماسَ المساعدة من الله هو مفهوم صحيح... فإن الله جعل السماء قَدَرَنا وهو سيزوِّدنا بوسائل بلوغها، لكننا لن ننال تلك الوسائل ما لم نسأله إياها. أن نسأل الله وسائلَ بلوغ السماء ما هو إلا مرادف آخر للصلاة. والصلاة هي الوسيلة القاطعة التي لا يمكن أن نستغني عنها في بلوغ مصيرنا. إن الصلاة فيها من الإفادة، من دون أدنى شك، أقصى ما يمكن أن يجنيه امرؤ. إذ لا يمكن لأي إنسان أن يمارس عملًا أَنْفَعَ من الصلاة. من خلال الصلاة والتأمّل، نتوصل إلى تحسين معرفتنا بذاتنا، وإلى معرفة المسؤولية الشخصية الملقاة على عاتقنا وأن نفهم كيف نتحّمل مسؤوليتنا هنا وفي هذه اللحظة بالذات.

نحن نحتاج إلى نور إلهي وقوة إلهية يفوقان نورنا وقوتنا الطبيعيين لكي ننجّي أنفسنا بصفتنا كائنات مجتمع. وباستثناء حدوث معجزة، لا نستطيع الحصول على هذا النور أو هذه القوة من دون صلاة، أكان ذلك من أجلنا كأفراد، أي من أجل ما نحتاج إليه على الصعيد الشخصي؛ أم  من أجلنا كمجموعة، أي من أجل ما نحتاج إليه على الصعيد الجماعي والمجتمعي. والسبب الأساسي الكامن وراء الفوضى العارمة التي تعمّ المجتمع البشري هو امتناع هذا المجتمع عن طلب المساعدة الإلهية.

إن الجواب الذي ردّ به المسيح على طلب تلاميذه، "يا رب، علّمنا أن نصلي"، جاء كالتالي: "حين تصلّون قولوا:..."  وراح يَهِبهم، أي يَهِبنا، صلاة الأبانا...   لقد حرص ربُّنا على أن تكون الصلاة الربّية موضوعة بصيغة المتكلّم الجمع... من الواضح أن المسيح أراد التشديد على أهمية تأديتنا الصلاة معًا، بصحبة الآخرين. وهذا أمر لا يقل أهميّة عن تقديس الوقت المكرَّس للصلاة، ونحن قادرون عليه. إذن هنا أيضًا يدخل عنصر الوعي والإرادة في مسألة مشاركة الآخرين أي عمل نقوم به، بما في ذلك الصلاة.

يقول الأب هاردن، وهو الذي إنتقل سنة ألفين لينضمّ إلى سكان العالم اللامرئي: "الصلاة هي النشاط الوحيد الذي لا يتوقف مع الموت بل يستمر في السماء إلى ما لا نهاية. صحيح أن الصلاة على الأرض تتطلب جهدًا، ولكن هذا ما يجب أن تكون عليه، إذ لا يمكن لأي عمل آخر أن يكتسب هذه القيمة وهذا المعنى... إننا لن نتسكّع في السماء. فالسماء نشطة! وسيتخللها جهد. وسننهمك فيها بعدة أمور، إنما بغبطة تامة".
________________________________

*هذا المقال مستوحى من كتاب لاهوت الصلاة  (Theology of Prayer) للأب جون أ. هاردن اليسوعي، وقد تمت ترجمته إلى اللغة العربية من قبل "عيلة مار شربل" وهو متوفّر الآن في بيت العيلة في غادير، في مركز حركة لبنان الرسالة في جعيتا وفي بعض المكتبات. للحصول على نسخ بالإمكان الإتصال على الأرقام 237278-09 و 635965-09

روجيه ناضر
_____________
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS