أخبار

مقالات
الثلاثاء , ٠٨ أيلول ٢٠٢٠
متى يتعلّم مسؤولينا "ثقافة الإستقالة"؟ طوني عطية

شهد لبنان، كافة أنواع الأحداث السياسية والأمنية، من نزاعات وحروب وانفجارات ومظاهرات وثورات وكوارث طبيعية بيئية وبشرية واقتصادية واجتماعية. لكنّه لم يألف خبر استقالة أحد أركان السلطة أو الحكم في لبنان، أكان رئيساً أم وزيراً أم نائباً، إلا نادراً جدّاً، لأنّه قد تأخر عن موعده كما حصل مع وزير المساعدات البريطاني مايكل بيتس، الذي أعلن استقالته بسبب تخلّفه لدقيقتين، عن جلسة أمام مجلس العموم البريطاني، حيث كان من المقرّر، أن ينوب عن رئيسة الوزراء تيريزا ماي، بسبب تواجدها في الصين في زيارة رسمية، فيما نحن نعيش في دولة متخلّفة عن كافة مواعيدها ووعود حكامها ومسؤوليها في أن تكون دولة طبيعية تؤمن أبسط حقوق الإنسان والمواطن!

قدّم استقالته من تلقاء نفسه، على قدر احترامه لذاته ومسؤوليته، انطلاقاً من المبدأ السياسي السليم الذي يقول إن "المسؤولية تكليف وليست تشريف".

في لبنان، معظم الاستقالات أتت بعد تظاهرات شعبية كبيرة أو ضغوط سياسية خارجية وداخلية، أو بسبب كوارث وجرائم وطنية ضخمة. الاستقالات عندنا جبريّة، قسريّة، لا تتمخض بسهولة، حتى وإن وقعت مصائب وويلات ومجازر! فالاستقالة لن تكون فورية، أو تلقائية، بل أن ردّة الفعل الأوّلية عند المسؤولين هي التمسّك بالسلطة تحت شعار "لا نتخلّى عن مسؤوليتنا"، إلا بعد سحب الغطاء السياسي أكان محليّاً أم خارجيّاً، كما حصل مع حكومة دياب عقب تفجير بيروت، التي لم تستقيل سريعاً إلا بعد ضغوط شعبية وسياسية دوليّة، بينما في لاتفيا، على أثر سقوط سقف "سوبرماركت" في مدينة ريغا الذي أودى بحياة 54 شخصاً، قدّم رئيس الوزراء فالديس دومبروفسكيس استقالته فوراً، مع أنه غير مسؤول عن سقوط المبنى، ولم يحدث ذلك نتيجة إهمال حكومي فاضح كما حصل في مرفأ بيروت، إنما إنطلاقاً من مفهوم القيادة المسؤولة والفاضلة التي لم نعتدها في مجتمعاتنا.

في بلجيكا، استقال وزير الداخلية جان غامبون والعدل كوين غينز، بسبب تفجير انتحاري وقع في مطار بروكسل عام 2016. وقال غامبون: "في ظلّ هذه الظروف أتحمل المسؤولية السياسية"، ولم تتوقف البلاد والحكومات بسبب استقالة وزيرين!

في سريلانكا، قدّم وزير الدفاع هيماسيري فرناندو استقالته، بعد التفجيرات الإرهابية التي وقعت يوم عيد الفصح عام 2019، قائلاً: "أنا لم أخفق في شيء، لكنّي أتحمّل مسؤولية إخفاقات بعض المؤسّسات التي أرأسها بصفتي وزيراً للدفاع".

الاستقالة والتخلّي عن السلطة في ذهنية حكّامنا وسياسيّينا هي تنازلٍ عن الشرف المربوط بالفرد! لا يؤمنون بفكرة المؤسسات، بل بفكرة الشخص الواحد والحزب الواحد والمنقذ الوحيد، يظنّون أن من دونهم لا مجال لاستمرارية الدولة أو بقائها وإمكانية تقدّمها، في حين أنها مهترئة وساقطة بسبب وجودهم وتعنّتهم وكبريائهم وغياب قيمة الاستقالة عن ضمائرهم السياسية، فيتمسكون بوزاراتهم لسنين عديدة رغم فشلهم فيها، ولا يفسحون المجال لغيرهم، فالاستقالة تعني الفشل، والفشل ممنوع، فالآلهة لا تخطىء!

يعتقدون أن الإستقالة هي هروب من المسؤولية، بينما في الدول الديمقراطية التي تتحمّل مسؤولية شعبها أكثر من غيرها، ينتشر فيها مفهوم "ثقافة الإستقالة"، وهو أرفع وأرقى درجات المسؤولية والشجاعة التي يمكن أن يتحمّلها أي مسؤول، فرئيس وزراء نيوزيلندا "جون كي" الذي كان يتمتّع بشعبية واسعة وسمعة طيّبة في بلاده، وكان باستطاعته البقاء في السلطة مستنداً إلى تأييد الجماهير له، كما يفعل الزعماء عندنا، الذين يتمسكون بمراكزهم، مستغلّين محبّة ناسهم وتبعيتهم، فيبقون متزعّمين مدى الحياة، غير أن "كي" الناجح والمحبوب، قدّم استقالته، قائلاً جملته الشهيرة: "إن القادة الجيّدين يعرفون متى يجب عليهم الرحيل، وقد حان الوقت بالنسبة لي للقيام بلك". هذا ما فعله أيضا، الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول عام 1969، الذي قدّم استقالته بعد استفتاء شعبي، لم تأتِ نتيجته كما كان يتمنّى.

حتى أن الرئيس الأرجنتيني السابق الجنرال ليوبولدو غالتيري، قدّم استقالته في حزيران 1982 بعد هزيمة جيشه أمام بريطانيا في "حرب فوكلاند"، رغم تولّيه السلطة بانقلاب عسكري وكان بإمكانه تحميل المسؤولية لضباطه، ومحاكمتهم والبقاء في منصبه، وأن يطلّ على شعبه من جديد بمظهر البطل- الضحية.

انطلاقاً من كل هذا، كم من مسؤول وسياسي لبناني، وَعَد ولم ينفّذ، وبدل الإستقالة، تمسّك أكثر بمركزه؟ وهل سَتُقدم هذه الحكومة المنتظر تشكيلها على الإعتذار والإستقالة إذا لم تفِ التزامها بالمهلة المحدّدة لتحقيق الأهداف الإصلاحية المرجوّة؟ متى تتعلّم هذه الطبقة السياسية، ثقافة التخلّي والإستقالة، وأن غيرها قد يكون أفضل منها في الحكم وإدارة الشأن العام!؟
متى سيعرفون متى يرحلون؟

 

 

 

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2020 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS