أخبار

مقالات
الأثنين , ١١ آذار ٢٠١٩
"مسؤولية فؤاد شهاب عن اتفاق القاهرة"... ممنوع اللمس! - طوني عطيّة

لم نعتد في لبنان على فتح دفاتر الماضي "المحرّمة"، الحاضرة والفاعلة في حالياتنا السياسية والوطنية، حيث أننا لا نزال نعيش في فصول مسلسل الأزمة اللبنانية، الذي تفجّر عسكرياً ودموياً في الـ 75 (الفصل الأوّل)، واستمرّ سياسياً في مرحلة الطائف (الفصل الثاني)، وما بعد الـ2005 (الفصل الثالث). ويجمع العديد من الباحثين والمفكّرين والمتخصّصين أن اندلاع الحرب الأهلية سببه عاملين أساسيّين: "تشريع" حركة الوجود الفلسطيني المسلّح داخل وخارج المخيّمات عبر "اتفاق القاهرة" عام 1969. وتركيبة المجتمع اللبناني الدقيقة والقابلة للإنفجار في أي لحظة يتمّ التلاعب بتوازناتها الداخلية، المعطوفة على الصراع الإقليمي المرتبط بالنظام الدولي القائم آنذاك (نظام القطبين بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي).

ما حصل في "اتفاق القاهرة" هو وضع الصاعق في القنبلة الموقوتة بانتظار "ولّاعة" الإشتعال. وما فعله الباحث والاعلامي أنطوان سعد، هو سحب ذاك الصاعق من طيّ الكتمان المحرّم (الرموز السياسية عندنا تشبه المتفجّرات: ممنوع اللمس!) إلى طاولة البحث الأكاديمي، في كتابه "مسؤولية فؤاد شهاب عن اتفاق القاهرة" الذي هو رسالة أعدّت لنيل شهادة الماستر في الجامعة اللبنانية، وقد نالت علامة 89/100، تقدير جيّد جدّاً! مستنداً في بحثه إلى شهادات ووثائق ومؤلّفات صدرت بالفرنسية والإنكليزية، إضافة إلى الأراشيف الأميركية والفرنسية التي "لفظت أسرارها بعد مرور الزمن المحدّد للإفراج عن الوثائق، كاشفة عن حقائق كثيرة غير معروفة متعلّقة بالفترة بين العامين 1967، و1970" كما يقول المؤلّف في مقدّمة كتابه، ليطرح الإشكالية التالية:

"ما هي مسؤولية الشهابية، وتالياً مسؤولية الرئيس فؤاد شهاب، عن تنامي قوّة التنظيمات الفلسطينية بحيث أصبحت في غضون أشهر، أمراً واقعاً قادراً على شلّ البلد، وفرض معادلات سياسية على لبنان؟ وهل من علاقة بين التساهل والاستحقاق الرئاسي في العام 1970؟".

ولأن الباحث، هو ذاك الذي يصطدم بتساؤلات كبيرة ومُقلقة تجاه قضية ما، شكّلت منعطفات خطيرة في رسم معالم واتجاهات وطنٍ، يقول سعد في المقدّمة: "في صدد إعداد مذكّرات الراحل الكبير فؤاد بطرس، رسم أمامي صورة رائعة عن الرئيس فؤاد شهاب ورؤيته البعيدة المدى التي نميّزت-  كما فهمتها آنذاك، ولا أزال في بعض أوجهها بالحرص على العدالة الإجتماعية وضرورة تحقيق مشاركة فعلية في القرار السياسي لجميع المكوّنات اللبنانية... ولكن هذه الصورة اصطدمت بسؤال كبير: بعد كلّ ما قام به الرئيس شهاب على مستوى إنصاف المشاركة الإسلامية في السلطة، واصطفافه الكامل وراء خط الرئيس المصري جمال عبد الناصر، على الرغم من معارضة الرأي العام اللبناني الليبيرالي، المسيحي في شكل خاص، لماذا يحجم رئيس الحكومة رشيد كرامي، الرمز الشهابي الأبرز، عن دعم الجيش اللبناني، ابن الرئيس شهاب وأداته الأساسية في الحكم وضمان استمرار نفوذه، وعن تغطيته والدفاع عنه أمام الهجوم الفلسطيني والإسلامي اللبناني، بعد صدامه مع التنظيمات الفدائية؟ لماذا يستقيل في سابقة أمام مجلس النواب، ويحرج الجيش والرئيس شارل حلو، ويطالب باتّفاق مع الفدائيين يطلق لهم حرية العمل العسكري انطلاقًا من الأراضي اللبنانية؟ وذلك على الرغم من الأخطار التي كان بالتأكيد يعرفها وحاول أكثر من مرّة التصدّي لها".

ويضيف: "بقي هذا السؤال الكبير من دون جواب، إلى ذات أمسية في شهر أيلول من العام 2015، قمتُ خلالها برفقة أحد الأصدقاء، بزيارة الوزير السابق اللواء سامي الخطيب في منزله في بيروت. دار ليلتذاك حديث شيّق عن تاريخ لبنان المعاصر، وبخاصّة عن مرحلة عهد الرئيس فؤاد شهاب، تطرّق فيه مضيفي إلى مسائل تهمّ الباحثين من أمثالي، لم يتكلّم بها قبلًا، مثيرًا دهشة أفراد عائلته، خصوصًا عندما أجابني في لحظة صفاء عن سؤالي المباشر: "من هي أهمّ شخصية سياسية صادفتَها؟" فكان جوابه المدوّي: "الرئيس كميل شمعون". صعقني جوابه، وهو الذي كان أحد أبرز الذين سعوا إلى تحطيم أسطورة "فخامة الملك".

وكتلك الأمسية المدوّية في منزل الخطيب، دار نقاش حارّ على مقياس "القاهرة" حول الكتاب، في معرض "الحركة الثقافية – انطلياس" يوم السبت الفائت، بين المشاركين، الصحافي نقولا ناصيف، القاضي السابق جو الخوري حلو، والمهندس عصام بكداش، وبينهم وبين بعض الحاضرين من باحثين وأكاديميين وإعلاميين... في مشهد يعكس جدليتين:

الأولى، كم نحن بحاجة إلى هكذا نقاشات وحوارات وندوات حتى لو كانت حادّة وقاسية، لكنّها راقية، مبنية على حججٍ وتعاليل، قد تنسينا واقعنا الهابط في التخاطب السياسي الإعلامي أكان عبر البرامج السياسية التلفزيونية، أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً بيننا كأجيال شابّة، لم تعش تلك الحقبة من اتفاق القاهرة إلى الحرب الأهلية.

الثانية، عمق الأزمة اللبنانية المستمرّة في نظامنا السياسي من جهة، وفي ذهنيتنا الشخصية من جهة ثانية، التي تمظهرت في ردود فعل كأنّها تشير إلى أن بعض الشخصيات التاريخية، "محرّمات"، لا يجوز نقدها أو التقليل من هيبتها حتى لو كان ذلك في سبيل البحث عن الحقيقة ومقاربة علمية للمحطات السياسية التاريخية.

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS