أخبار

مقالات
الخميس , ٠١ شباط ٢٠١٨
مسيحيو المشرق بين الزوال والشهادة - سامر أبو عرّاج

بعد الغزو الأميركي للعراق وتفتيت البنى التحتية للدولة وعلى ٳثر انطلاق المعارك الطائفية وتعميم الفوضى، دفع مسيحيو هذه البلاد الثمن الأكبر. بعد تعرّضهم لشتّى أنواع التمييز الديني والٳضطهاد والسلب والسبي والتهجير القصري، نزح مئات الآلاف منهم الى البلدان المجاورة والى دول الٳغتراب، وفرغت هذه الأرض من ما لا يقل عن 90% من سكانها الأصليين.

كردة فعل أولى يمكن تفسير هذا الحدث كنتيجة طبيعية لأي حرب، حيث يدفع المدنيون العزّل الثمن الأكبر. لكنّ استهداف المسيحيين بشكل خاص، دون أن يكون لهم أي دور في الحرب الطائفية ولا حتى أي طموح سياسي، دفع بمطران السريان الأورثوذكس في الموصل وكردستان مار نيقوديموس داوود متي شرف الى القول إن "وطن بدون كرامة غربة، نحن غرباء في وطننا... إما أن يبقوا (المسيحيون) بكرامتهم أو أن يبحثوا عن الكرامة في أي مكان بالعالم." لماذا إذاً هذا الٳستهداف، بالرغم من إنقياد هذه الأقلية العددية المسالمة للسلطة، أي سلطة تعطيهم هامش ولو قليل من الحرية والحياة الكريمة؟

بعد سنوات قليلة، تكرر هذا المشهد ولو بنسبة أقلّ في سوريا. فالذي لم يترك أرضه هرباً من التكفيريين، فعلها هرباً من تجنيد أبنائه في صفوف الجيش النظامي نتيجة الأعداد الهائلة من الخسائر البشرية التي مني بها يوميا. لماذا؟ أليست هذه الأرض أرضه وهذه الحرب حربه للدفاع عن وطنه ضد الغزاة التكفيريين؟ فبالرغم من أن الواقع السوري يختلف كلياً عن الواقع العراقي، حيث الدولة المركزية ما زالت موجودة ولها تمثيلها الديبلوماسي المعترف به عالمياً، والجيش النظامي لم يتفكك كلياً كما الجيش العراقي، نجد المحصلة النهائية نفسها، نزف مسيحي كثيف ولو لأسباب مختلفة.

هل تصحّ المقارنة مع مسيحيي لبنان الذين، بالرغم من وقوعهم سنة 1975 ضحية حرب لا تقلّ ضراوة، لم يتركوا أرضهم ونجحوا بالحفاظ على الدولة اللبنانية بمواجهة محاولات الإستيلاء والضمّ وتغيير الهوية؟ أم أن مسيحيي لبنان كانوا في موقع السلطة وإمكانات الدولة الإقتصادية والعسكرية كانت في يدهم، مما أعطاهم مقومات أولية للصمود واستيعاب الضربة الأولى، والحؤول دون تفكك مجتمعهم والدولة.

هل كان على مسيحيي العراق وسوريا الثبات في أرضهم واللجوء الى القوّة للدفاع عن وجودهم كما فعل مسيحيو لبنان؟ وهل كان ذلك ليكفي؟ إذا اقتصرت المقارنة على الوجود المادي فقط، يمكن التوقّف هنا وإلقاء اللوم على قادة الرأي في المجتمعات المسيحية المذكورة، روحيين ومدنيين، الذين اكتفوا بالصراخ والبكاء وإلقاء اللوم على جشع الغرب، ولم يبادروا الى تحصين مجتمعاتهم بمقاومة مسلّحة مشروعة إنسانياً ومبررّة مسيحياً. ولكن إذا نظرنا أبعد من ذلك، هل نشهد اليوم في لبنان حضوراً مسيحياً مشرقاً أم مجتمعاً مسيحياً متفكّكاً مترهّلاً فاقداً للقيم ومهمّشاً؟

في الحالات المذكورة، نرى جماعات مسالمة تدفع أغلى الأثمان ليس نتيجة طموحات سياسية وسلطوية ولا رغبة بالتوسع والحصول على مكاسب، إنما فقط للبقاء على قيد الحياة. من هنا تصحّ مشروعية التساؤل عند الكثير من المسيحيين حول ماهية وجودهم في هذا المشرق ومعنى رسالتهم. هل هذه هي الشهادة المسيحية الحقيقية؟ وفي حال كانت كذلك، من سيقوم بها بعد زوال المسيحيين؟ أهكذا تنتهي كنيسة المسيح في الأرض التي انطلقت منها؟

إذا عدنا لحديث المطران نيقوديموس (المذكور آنفاً) الذي قال بأن المسيحيين لا يستطيعون العيش إلاّ في ظلّ دولة القانون، فبدونه هم محرومون من كرامتهم، وبدون كرامة هم غرباء في أوطانهم... يمكننا الإستدلال منطقياً بأن الحياة المسيحية الحقيقية لا تستقيم ٳلاّ في دولة يحمي القانون والنظام العام الوجود فيها. أي كما كانت الحال في العراق وسوريا قبل الحروب، خلال حكم صدام حسين وحافظ الأسد حيث عاش المسيحيون بـ"سلام" في ذلك الوقت، يمارسون شعائرهم المسيحية.

إنهم وبدون أدنى شك، من خلال عيشهم المحبة والإنفتاح على الآخر يشهدون للمسيح داخل مجتمعاتهم، ولكن هل هذا يكفي؟ هل هذه هي الشهادة المسيحية الحقيقية؟ هل من خلال كفّ الطرف عن الظلم الذي كانت تمارسه هذه الأنظمة الدكتاتورية على بعض مواطنيها، من استعمال الأسلحة الكيميائية الى زجّ الآلاف في السجون وتعذيبهم، يعيشون بكرامة؟ هل تاريخ الكنيسة وتعاليمها يشجّعان على ذلك؟ أم أن التقيّة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الفقه المسيحي؟

هل تصان كرامتنا عند حجبنا المعمودية عن مسلم ٳهتدى الى المسيحية من تلقاء نفسه بحجّة أن ذلك يشكلّ تهديد لنا؟

ما الغاية من الشهادة المسيحية الحقيقية النقيّة ٳذاً؟ أليس بالعيش الصادق للمحبة نقدّم المسيح للآخر؟ وهل إذا نجحنا يحقّ لنا أن نحجب سرّ الحب هذا عن من يسعى إليه بكل جوارحه؟ إننا وبذلك نعيش مفارقة paradoxe ما بعدها مفارقة. نشهد للمسيح بأصدق وسيلة، ونحجبه عن الراغبين به.

أستند هنا الى مسيرة إهتداء جوزيف فاضل*(السيد محمد موسوي بالولادة) الذي، بعد أن تخلّى عن كل شيء، إشتهى المعمودية وكافح للحصول عليها، هو وعائلته، ولم ينجح إلاّ بعد13 سنة. ففي أحدى المرّات كان تبرير الأسقف له لعدم الموافقة على معموديته: "ليس من الممكن قطعياً التضحية بالقطيع من أجل خلاص نعجة واحدة...". وكأن حياة القطيع تتعلّق فقط بحكمة الراعي ودرايته.

كيف كانت الحال فيما لو تمنّع المسيحيون الأوائل عن ممارسة طقوسهم في دياميس روما خوفاً من الرومان وحفاظاً على أنفسهم. أما كان أجدى بقوافل الشهداء نكران المسيح ظاهرياً والحفاظ على أعناقهم وأرزاقهم و"مسيحيتهم". ألم يكن من الحكمة أن ينكر الشهداء الأقباط ال 21 المسيح أمام داعش في ليبيا (كانون الأول 2014) ويعودوا الى عائلاتهم وكنيستهم أحياء؟ أو ليست دماء الشهداء بذار الكنيسة؟

خشيتي أن نكون "بحكمتنا" هذه وصلنا الى الحالة نفسها التي كنا نخشاها فيما لو عشنا شهادتنا المسيحية كاملة ونادينا بالحقيقة بأعلى صوت ونصرنا المظلوم أيا كان الظالم. ولكن وصلنا هذه المرّة دون إكليل الشهادة، دون "الحلل البيض". هل نحن ندفع ثمن ضعف أمانتنا للمسيح؟

وبالعودة للبدء الى حديث المطران نيقوديموس "وطن بدون كرامة غربة، نحن غرباء في وطننا..." يجدر بنا القول : نحن غرباء على هذه الأرض أينما كنّا، موطننا السماء، كرامتنا نستمدها من صليب المسيح وليس من أي قانون أو أي حاكم أو أي مجموعة نعيش معها ولا يمكن لأحد أن ينتزعها منّا.

"...فإننا لا نهدف الى ما يرى، بل الى ما لا يرى، فالذي يرى إنما هو الى حين، وأما ما لا يرى فهو للأبد". 2 قور 4/18

(*) مسيرة الٳهتداء هذه وضعها في كتاب شيّق "Le Prix à Payer" ISBN 978-2-266-21219-9.

الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2018 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS