أخبار

مقالات
الجمعة , ٢٧ تموز ٢٠١٨
"نعم لقد مات، وشاف مين مات" - طوني عطية

تكمن أهميّة التاريخ أنّه يشهد على دينونة الشعوب والجماعات، يَكشفُ للأحياء ما حدث للأموات، يُخبرنا عن حضارات اندثرت حتى أصبح بعضها عبرة للزوال كشعوب الـ "مايا"، أو ما تبقى من أفراد سكان أصليين تجتهد منظمات إنسانية للمحافظة على بقاياهم، أو عن شعوب انقرضت ولم يعد لهم أي أثرٍ كالأموريين والمؤابيين والأدوميين... وشاهدنا بـ"أم العين" ما حصل في حاضرنا، في مشرقنا لجماعت هُجّرت واقتلعت، لشعوب استسلمت وأخرى سلّمت هويّتها ووجودها وأمنها لغيرها، للقوى التي حافظت على هويتها.

في واقعنا المسيحي اللبناني نعاني من مشكلة جوهرية عميقة وهي أزمة الهوية، التي تشوّهت بسبب عوامل ومؤثرات خارجية وعوامل داخلية ذاتية، حيث ساهمنا كمسيحيين بنحر هويتنا حتى تُهنا في عالمٍ أصبح أكثر مُشرّعاً لتفاعل الحضارات وتصادمها، لاستقطاب التيارات والأفكار الخبيثة والصالحة، الهادمة والبانية، إضافة إلى موروثات وأحداث تاريخية ما زالت تطبع حياتنا اللبنانية والمسيحية سلباً وإيجاباً... فأصبحت هويتنا تحت المجهر، مأزومة لا تحتمل التأجيل.

لذلك، تشكل استعادة الهوية من خلال دراسة التاريخ، هاجساً كبيراً لدى حركة لبنان الرسالة التي اطلقت عبر أكاديمتها دورة مهمّة بعنوان "هوية من تاريخ، تاريخ الشعب المسيحي في لبنان"، للتعمّق والتعرّف على أهم المراحل التاريخية منذ بروز لبنان إلى انتشار المسيحية وصولا إلى لبنان الكبير، بهدف وعي جوهر وحقيقة الهويّة المسيحية اللبنانية التاريخية وأبعادها الثقافية والروحية من أجل فهم أفضل للمشكلة اللبنانية برؤية علمية، مع الباحث والمؤرّخ فادي كيروز الذي استند إلى المدرسة الحديثة في التاريخ التي تبتعد عن الاجتهادات الشخصية وأسطورة الأدب الشعبي، وترتكز إلى الحقيقة والأدلّة العلمية، مع تطور نظام المعلوماتية والتواصل مع مراكز الابحاث المتخصصة ومع الجامعات والمتاحف العالمية، وبروز الأجهزة التكنولوجية الحديثة الفائقة التطوّر والتصوير الثلاثي الأبعاد. إضافة إلى أرشيف مكتبة الفاتيكان الذي فُتح لمراكز الأبحاث المتخصصة في عهد القديس البابا يوحنا بولس الثاني "وقد كشف النقاب عن كنز هائل من المعلومات والوثائق والمخطوطات التاريخية النادرة والقيّمة" كما لفت كيروز.

 ويقول: "إن الهوية هي التي تربط مجموعة ما من البشر ببعضها البعض عبر الزمن، وتربط أجيالها عبر التاريخ لكي تبقى وتنمو وتستمرّ.
وإذا ما ضاعت هذه الهوية، إنفصلت تلك المجموعة البشرية عن تاريخها وأصبحت أجيالاً ضائعة بلا هوية، بلا ذاكرة وبلا تاريخ. والبـشـريـة بـلا ذاكـرة تـتـوقّـف فـي مـسـيرة الـتـاريـخ وتـمـوت".

ويعتبر أن غياب الرؤية والأهداف دفعنا إلى السقوط في التجارب والنزاعات الداخلية المدمّرة. ويذكر كيروز حادثة شاهد عليها أبان "حرب التحرير" حين كان ناشطا في اللوبي اللبناني المسيحي في الولايات المتحدة الأميركية الذي استطاع عقد لقاء خاص لمندوبي القوى المسيحية في لبنان آنذاك مع الرئيس الأميركي جورج بوش "الأب" لمدة "نصف ساعة!"، وكان اللوبي قد أسدى نصيحة بالغة إلى ممثلي الاطراف بضرورة توحيد كلمتهم وموقفهم.

يتابع: "مع بداية اللقاء، سأل بوش ضيوفه السؤال البديهي والجوهري: "ماذا تريدون منّا؟" فأفرج المندوبون مواقفهم المتناقضة حتى وقع الخلاف بينهم، ما دفع بسيّد البيت الأبيض إلى مغادرة الإجتماع بعد عشر دقائق منصرفاً لمتابعة شؤون دولته العظمى ونحن إلى هاويتنا المظلمة نبحث عن نورٍ ينتشلنا من ضياعنا وتخبطنا وتعلّقنا بأهواء أشخاص وأفراد. "ملعون من يتكل على ذراع بشر" (أر17: 5)

يقول المثل الروسي:"اترك قصّة لأولادك يتدفون بها في ليالي الشتاء القارس"، أي عند هبوب الرياح وصفير الأزمات والتحديات، إذا لم يكن الشعب متجذّراً في هويته محصّناً في مواجهة الأعاصير فإنه حتما سيقتلع أو سيخرج رويداً رويداً من على مسرح التاريخ.

وفي رسالته إلى الشبيبة، يقول البابا فرنسيس: "إبحثوا عن قصص الأمس وعن عاداته وتقاليده، مفسّراً: لا يمكنك أن تقوم بشيء في الوقت الحاضر  أو في المستقبل إن لم تكن متجذّراً في الماضي، في تاريخك، في ثقافتك، في عائلتك؛ إن لم تملك جذوراً مزروعة جيداً فلن تتحلّى بالقوة اللازمة للسير نحو الأمام".

الشعوب التعيسة هي التي تعيد إنتاج أحداثها الفاشلة التي تؤدي إلى تخلفها ودورانها في حلقتها المقفلة، فيما الشعوب المتحضّرة هي التي كسرت الحركة الدائرية المفرغة واستطاعت أن تنمو وتصبو نحو أهدافها، لأنّ تاريخها هو هوية، درس، وعبرة...

في التاريخ، يمكن لجماعة أن تموت ويبقى منها من يخبر عن موتها وتستمر في العيش لكن بلا حياة إلى حين إعلان "ترقيتها" إلى متاحف التاريخ، فيقال بحقّها "نعم، لقد مات وشاف مين مات"...

 

 

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2018 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS