أخبار

مقابلات
الخميس , ١٦ تشرين الثاني ٢٠١٧
لماذا "يضحك" اللبنانيون من واقعهم "المُبكي"؟

يقول المثل الشعبي "إضحك تضحك لك الدنيا"، وما من شعب يواجه مشاكله الحياتية اليومية، الإجتماعية والسياسية، بضحكة أو نكتة أو سخرية أكثر من الشعب اللبناني، ولكن من دون أن "تضحك له الدنيا"، فالأزمات الكبيرة والصغيرة لم تفارق حياته يوماً.

فأمام حدث سياسي معيّن قد يهزّ البلاد ويشكّل تهديداً حقيقيّاً للشعب اللبناني، تتهافت مختلف أنواع النكات المضحكة والساخرة، فهل الضحك يخفّف من الألم أم مسكّن مخادع يزيد من حدّته؟ أهو وسيلة دفاع لإنكار الواقع ورفضه لشدّة مرارته؟ أم أننا ومن شدّة الألم وصلنا إلى درجة من الضحك والبكاء معاً كالطير يرقص مذبوحاً من الألم؟

يقول الإخصّائي في علم النفس العيادي إيلي ناصيف، إن المرء قد يضحك في الأوضاع المأساوية أو يستهزئ إنكاراً للأحداث، فالانسان ينكر المصيبة بالضحك، فهي ردة فعل إنقاذية من الطراز الأول، كما أنه رد فعل الدماغ على الحادث فالإنسان قد يضحك عند سماع خبر مأساوي، وقد يبكي عند سماع خبر مفرح، وهذا يعود، إلى "الهرمونات في الدماغ التي تستجيب للأحداث بطرق مختلفة". وتقول إخصائية علم النفس السلوكي إليوت بارسينين إن الضحك قد يحدث كاستجابة الجسم للضغط القوي الذي يقطع النفس، فأول تأثير للخوف أو لخبر مأساوي هو انقطاع النفس، فيجد الجسم نفسه بحاجة إلى مقدار كبير من الهواء فينفجر في الضحك. وتقول "على الصعيد الفيسيولوجي، لا يمكن للمرء السيطرة على عواطفه بطريقة طوعية أيضا فالضحك هو ضرب من ضروب المناعة النفسية التي تحول بيننا وبين التأثر بما نتعرض إليه من ضغوط في هذه الحياة وما أكثرها. وعلى هذا، فقد يكون الضحك استجابة للألم لا للسرور نظراً لأن مفتاحه هو المواقف التي تسبب لنا الضيق أو الألم ولقد صدق من قال شر البلية ما يضحك".

ويستشهد ناصيف بكلام الممثل الكوميدي شارلي شابلن: "إن الناس يتعاطفون معي بحق حينما يضحكون لأنه بمجرد ما يزيد الطابع التراجيدي عن الحد، فإنه سرعان ما يصبح موقفاً باعثاً على الضحك". وكثيراً ما يواجه الإنسان مواقف من الهلع والقلق، فينفجر ضاحكاً، مما يكشف عن أهمية كل هذه العوامل الداخلية والخارجية، وفي مثل هذه المواقف الخطرة أو حينما يضحك الإنسان لمواجهتها، فإنه بلا شك إنما يحاول عن طريق الضحك أن يرفع من روحه المعنوية أو أن يعمل على استجماع شجاعته. واكتشف العلماء أن الضحك يزيد بصورة خاصة من إفراز مادة البيتا-إندورفينd8s، وهي الهرمون الذي يصل إلى خلايا الدماغ، ويعطي أثراً مخدراً شبيهاً بأثر المورفينd8s، ومن نتائج ذلك خلود الإنسان إلى النوم العميق. وهذه نقطة مهمة لأصحاب الكآبة الذين يعانون بصورة خاصة من الأرق والقلق والنوم الممتلئ بالكوابيس.

ويعتبر ناصيف أن الضحك والابتسامة هما هبة من الله، لإنعاش الأعضاء واسترخائها، وكذلك فيها حركة آلية ذاتية لتدليك الكثير من الأعضاء. كما يعزو إليه علماء النفس مفعولاً مزيلاً للتسمم المعنوي والجسدي، لأنه يساعد في التخلص من نوبات الاكتئاب البسيطة والمخاوف، ويشير الباحثون الأوروبيون حالياً إلى أن الضحك يساهم أيضاً في تخفيف آثار التوترات الضارة بصورة ملحوظة.

ويتطرق الإخصائي إيلي ناصيف إلى الفرضيات والتفسيرات التي قدمها الفلاسفة والعلماء في موضوع الضحك على الشكل التالي:

1-الضحك هو ممارسة عدوانية في جوهرها حيث يحس الضاحك أن من يستهزئه بالضحك أقل منه شأناً وأقل قيمة وفي ذلك استعلاء وشعوراً بالتفوق يعوض عن مشاعر النقص، وهذه العدوانية ليست مذمومة إلاّ حين تعمد إلى إيذاء مشاعر الآخرين وجرحهم  وهي مقبولة في إطار الضحك ومتعارف عليها أنها مزاح وفكاهة وهذه الفرضية قديمة ولكنها مؤثرة وباقية بحسب الكثيرين من الفلاسفة.

2- الضحك ينشأ بسبب التناقض بين الشيء أو الحدث وبين ما اعتدنا أن يكون عليه. ويفسر ذلك أن الضحك ينتج عن المفارقة والتناقض وغير المتوقع أو المضخم أو غير المألوف أو سوء الفهم والتفاهم الاعتيادي. ويؤكد الفيلسوف الفرنسي برجسون هذه النظرية في كتابه النادر الضحك (عام 1924).

3- الضحك ينشأ بسبب إرتخاء مفاجئ وتفكك موقت في مناطق الضبط النفسي بسبب التوتر والإحباط والعقد التي نحملها في داخلنا والتي تنتج عن ضغوط الضمير والقيم وغيرها من الضغوط ، ويأتي المثير الخارجي للضحك ليفتج المجال لإزالة التوتر والشحنات الانفعالية المتنوعة بداخلنا. وقد بين التحليل النفسي الفرويدي أن الضحك يشبه الحلم من حيث تحلله من القيم والممنوعات وأنه كلما زادت الضغوط كلما احتاجت تركيبتنا النفسية إلى التخفيف منها بعدة وسائل ومنها الأحلام والضحك.

وعن واقعنا اللبناني،  يقول ناصيف: يدرك اللبنانيون كم أن الحياة قصيرة، وكم هي جديرة للعيش بسعادة  فيسعون بكل قواهم لإستغلال كل فرصة حياة، فاللبناني ينام  على مشاكل النفايات والطرقات وانقطاع التيار الكهربائي، ويعلم تماماً،أن أزمات الغد ستكون أكثر تعقيداً ومع ذلك، يبحث عن لحظة سعادة (بالسراج والفتيلة) كما يقول المثل اللبناني.  فالعديد من اللبنانيين، على سبيل المثال، بعد أن يمكثون في عجقة السير وقتاً طويلاً، يصلون الى عملهم او دراستهم، يرتّبون هندامهم، ويدخلون على زملائه بكل أناقة ولباقة، متناسين كل التعصيب الذي عاشوه منذ لحظات، تاركاين كل شتائمهم داخل سيارتهم...

يعلم كل لبناني أن لا مجال للتلاعب مع الحياة، ومع ذلك يلاعبها ويحوّل ظلام انقطاع الكهرباء الى نكاتٍ مضحكة، فالضحك أقرب وسيلة لتقبّل واستسهال كل مصيبة. هو لا يفقد الأمل بل يرى في كل اشراقة شمس فرصة جديدة للمحاولة من جديد. عجيبٌ أمر هؤلاء اللبنانيون،! قد يُردي أحدهم الآخر قتيلا من أجل موقف سيارة.

بالمقابل، يشبّه ناصيف، الواقع اللبناني بقصّة ابن آوى الذي عجز عن بلوغ العنب فيعتبر كلّ العناقيد حصرمة وحامضة، علّه بذلك يخفّف من ألم إحساسه باليأس من بلوغ مبتغاه، لكن بالرغم من كلّ ذلك يبقى اللبناني ذلك الانسان الطيّب، الذكي، النقي من الداخل، الذي لا يستسلم لليأس، ولا يتوقف عن المحاولة.

 

طوني عطية
حركة لبنان الرسالة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
Martin Luther King القداسة بالسياسة
الجمعة , ٠١ حزيران ٢٠١٨
متفرقات
 
حق النشر 2019 لبنان الرسالة. جميع الحقوق محفوظة.
Powered By Digital ITS